خرجنا نطير فرحًا:
تسلّقنا الصخور العالية.. قطفْنا الأزهار الجبلية.. نال منا التعب..
شاهد والدي، صخرة كبيرة، يغمرها الظلُّ، فقال لنا:
-هذا أفضلُ مكانٍ نستريحُ فيه .
قعدْنا على الصخرة الملساء، نشرب الشاي مسرورين..
-لم نهجر الصخرة بعد ذلك..
كنا نزورها كلّ يوم .
نأخذ طعامنا، ونأكله فوقها .
نلعب حولها، ونبني بيوتًا صغيرة.
نقبع عليها صامتين، ونسمع من أُمّنا الحكايات.
ثم نتركها في الليل، لنأتيها في النهار .
-في آخر العام الدراسي..
ذهبنا إلى الصخرة، وقعدْنا كلُّنا عليها..
التقط لنا والدي عدّة صور، وقال:
-هذا آخرُ يومٍ ترون فيه الصخرة .
-لماذا يا أبي؟
-سننتقل إلى قرية بعيدة .
مكثْتُ واجمة صامتة، لم ألعبْ ولم أفرح..
وحينما نهض أهلي، ليرجعوا إلى البيت، أخرجْتُ من جيبي، قطعة من الطباشير، وكتبْتُ على الصخرة:
-وداعًا يا صخرتنا الحبيبة!
-في الصباح الباكر..
أحضر والدي سيّارة، حملنا عليها متاعنا، ثم ركبنا فيها، وسارت بنا، تُبعدُنا شيئًا فشيئًا.. وعندما بلغنا أعلى الجبل، التفتُّ نحو الصخرة وبكيت..
النهر الصغير
كان النهرُ الصغير، يجري ضاحكًا مسرورًا، يزرع في خطواته الخصبَ، ويحمل في راحتيه العطاء.. يركض بين الأعشاب، ويشدو بأغانيه الرِّطاب، فتتناثر حوله فرحًا أخضر..
يسقي الأزهار الذابلة، فتضيء ثغورها باسمة. ويروي الأشجار الظامئة، فترقص أغصانها حبورًا ويعانق الأرض الميتة، فتعود إليها الحياة.
ويواصل النهر الكريم، رحلةَ الفرحِ والعطاء، لا يمنُّ على أحد، ولا ينتظر جزاء..
وكان على جانبه، صخرة صلبة، قاسية القلب، فاغتاظت من كثرة جوده، وخاطبته مؤنّبة:
-لماذا تهدرُ مياهَكَ عبثًا؟!
-أنا لا أهدر مياهي عبثًا، بل أبعث الحياة والفرح، في الأرض والشجر، و..
-وماذا تجني من ذلك؟!
-أجني سعادة كبيرة، عندما أنفع الآخرين
-لا أرى في ذلك أيِّ سعادة!
-لو أعطيْتِ مرّة، لعرفْتِ لذّةَ العطاء .
قالت الصخرة:
-احتفظْ بمياهك، فهي قليلة، وتنقص باستمرار.
-وما نفع مياهي، إذا حبستها على نفسي، وحرمْتُ غيري؟!
-حياتكَ في مياهكَ، وإذا نفدَتْ تموت .
قال النهر:
-في موتي، حياةٌ لغيري .
-لا أعلمُ أحدًا يموتُ ليحيا غيره!
-الإنسانُ يموتُ شهيدًا، ليحيا أبناء وطنه.
قالت الصخرة ساخرة:
-سأُسمّيكَ بعد موتكُ، النهر الشهيد!
-هذا الاسم، شرف عظيم.
لم تجدِ الصخرةُ فائدة في الحوار، فأمسكَتْ عن الكلام.