الصفحة 203 من 373

-الآن أمكنَتْني الفرصة!

واقترب الذئبُ من القطيع، فشاهد نعجة قاصية، فوثبَ عليها سريعًا، وأنشبَ أنيابه فيها..

أخذتِ النعجةُ، تثغو وتستغيث..

سمع الكلابُ، الثغاءَ الأليم، فكفّوا عن القتال، وتركوا الخصامَ والخلاف، وانطلقوا جميعًا إلى الذئب، وحينما رآهم مقبلين، طار فؤاده ذعرًا، فأفلَتَ النعجة، وانسلَّ هاربًا، لا يلوي على شيء..

عطاء السماء

وقف الفلاحُ، على طرف حقله، يرنو إلى سنابل القمح، وهي تميلُ وتلمع، كأمواجٍ من ذهب، فانتشى إعجابًا بنفسه، وقال:

-لولا كفّايَ الخشنتان، لما كان هذا القمح الوافر!

فابتسمتِ السماءُ في العلاءِ..

قالت إحدى السنابل:

-نحن أَوْلى بالفضل، كنّا حبوبًا يابسة، مدفونة في التراب، فامتصصْنا الغذاء، وشقفْنا التراب، وصرنا ننمو، شيئًا فشيئًا، حتى كبرنا، وأنبتَتْ كلُّ حبّةٍ، سنبلةً فيها مئةُ حبة!

وابتسمتِ السماءُ في العلاء..

قالت الأرض:

-أنا صاحبة الفضل، احتضنْتُ البذورَ صغيرةً، وأرضعتها حتى صارت كبيرة، فلولا ترابي، لما نبتَ قمحٌ، ولا شبع فلاّح!

وابتسمتِ السماءُ في العلاء.

وجاءتِ السنةُ التالية، شديدة مجدبة، فانقطع المطر، واشتدَّ الحرُّ، وانتشر الجفاف.. حزنتِ الأرضُ القاحلة، ويبسَتْ شفاهها الظامئة..

حزنتِ البذور، في ظلمة التراب، وخافت أنْ تموت أحلامها، ولا ترى النور.

حزن الفلاحُ على جهده الضائع، وأشفق على عيالهِ البائسين.

وحزنتِ السماءُ الرحيمة على الجميع، فأرسَلتْ إلى الأرض، سحبًا سخيّةً، تحمل الأمطار والأفراح..

البحر

سارتِ السحابةُ، مثقلةً بالمياه..

وقفَتْ فوق البحر، وسكبَتْ قطرَها الغزير..

فرح البحرُ، واحتضن القطرات

فرحتِ القطراتُ، وعانقتِ البحر

قال البحرِ:

-ما أحلى اللقاء!

قالت القطرات:

-ما أمرَّ الفراق!

قالتِ السحابة للبحر:

-منحتكَ مائي، لتعرفَ فضلي

-لا تمنِّي عليّ بفضلك .

-أتأخذُ مائي، وتنكرُ فضلي؟!

-ماؤكِ منّي .

-لا يصدّقُ ادّعاءَكَ أحد

-اسألي قطراتكِ

قالت القطرات بصوت واحد:

-البحر وطننا.. منه خرجنا، وإليه نعود

صمتتِ السحابةُ من الحياء، وانسحبَتْ مبتعدةً في السماء..

الصخرة

كان بيتنا على حدود القرية، قريبًا من سفح الجبل.. لم نعرف بيتًا غيره، فأحسسنا بالغربة والملل.. ذات يوم.. عاد والدي من المدرسة، فسألته:

-لماذا لا يزورنا أهلُ القريةِ ونزورهم؟

قال أبي:

-لأنهم بخلاء.

وقالت أُمِّي:

-لأننا غرباء .

-عند المساء، قال والدي:

-هيّا نذهبْ إلى الجبل .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت