وقف الناي -كما أريد له- في آخر الصف، وانطلق مع بقيّة زملائه يصدحون بأداء مميز، لتشكل أصواتهم انسجامًا صمّم خصيصًا لذلك الاحتفال.. لكنّه الوحيد ضجيج الطبل كان طاغيًا على بقيّة الأصوات التي تحاول إثبات حضورها وجدارتها.. فالعود بعد أن دوزنوا أوتاره أصدر أنغامًا شرقيّة أصيلة. والكمان اتخّذ طريقة متفرّدة في العزف لا تشبه أيّة طريقة أخرى، أمّا آلات الإيقاع فتتبّعت أباها الطبل في كلّ حركاته وسكناته.. المجموعة كلّها كانت تؤدي أدوارها بإتقان وصدق أكيدين، فتنجح نجاحًا باهرًا.
تجمّع الناس على جانبي الطريق.. رافقوا مسيرة الفرقة الموسيقيّة إلى كلّ مكان اتجهت إليه، وحيثما تتحرك كانت هناك عبارات من المديح والثناء تقال:
-أحسنتَ.. بارك اللَّه فيك.
-إنَّك تستحق مكافأة على أدائكَ الرائع.
-تُرى.. من علمكَ هذا العزف الرقيق.؟!
-إنَّ صوتكَ الشجي يشفي قلب العليل.
-لقد مللنا الصخب والضجيج، ونريد أن نرتاح.
-قلوبنا لا تسعد إلا بسماع همسك.
شنّف الطبل أذنيه الكبيرتين وهو يسمع إطراء لا أبدع ولا أجمل، وظنّه موجهًا إليه، فزاد من قوة ضرباته أكثر وأكثر... صاح:
-بم.. بم.. بم.. أنا هنا.. ووجودي يلغي وجود الباقين.
ضحك الناس منه، تغامزوا فيما بينهم.. سخروا قائلين:
-نحن لا نقصدك أنتَ أيّها الطبل الفارغ.. إن قلبكَ الأجوف، وصوتكَ المزعج، قد جعلنا نفر منك، ونبعد عنك.
-بم.. بم.. بم.. ومن تقصدون بمديحكم إذًا؟...
سأل الطبل منزعجًا.
-إن ثناءنا كلّه موجه لذلك الذي نعتّه بالقصبة المثقّبة.
-هل تقصدون الناي؟..
سأل الطبل من جديد.
-نعم.. ومن سواه يريح أعصابنا، ويهدّئ مزاجنا، ويجعل حياتنا تصفو.
-لكنه ضعيف، وصغير، وهزيل، و.. و.. و.. و.. لم يستطع الطبل أن يكمل كلماته، فانفجر غيظًا.. وتمزّق.
أما الناس فكانوا جميعًا واقفين في الخلف، يصغون إلى الناي وهو يشدو بأعذب الألحان.
لعبة مسلية
في إحدى ليالي الصيف المقمرة، وبينما كان القمر بدرًا يسطع، فيغمر نوره الكون... قرّر أفراد الأسرة مجتمعين السهر على سطح الدار، كما اعتادوا أن يفعلوا في مثل هذه الليالي.
طوت خولة البساط المخصّص للجلوس فوق السطح. أخوها أحمد فعل مثلها، وشارك في نقل الوسائد الصغيرة. الأم والأب أعدا العشاء ورتّبا أمور المائدة.. أما الجدّة، فلم يكن بمقدورها أن تحمل سوى طبق القش الذي باشرت بجدل عيدانه، وتنسيق ألوانه.