-بماذا تشبّه هذه الأعشاب الضارة يا منذر؟.
فكر منذر قليلًا.. ابتسم مجيبًا:
-إنها كرفاق السوء تمامًا.. يصاحبوننا، ثم يسيئون إلينا.
-أحسنت.. وكيف نتصرف تجاههم؟
-نبتعد عنهم، ونجنب أنفسنا أذاهم.
أعذب الألحان
وكان احتفالًا عظيمًا ذلك الذي أقامته المدينة بمناسبة عيد الفرح.. وهو عيد تحتفل به المدينة كلّ عام.. تُعلي لأجله الزينات، وتشعل المصابيح، وتلوّن أبواب المنازل ونوافذها.. ويهئُ الكبار والصغار أنفسهم للمسرّة في هذا اليوم المشهود. فيرتدون الثياب الجديدة، ويخرجون إلى الساحات يرقصون ويغنون.
قبل الإحتفال، وقفت مجموعة الآلات الموسيقية تستعدّ للسير وسط الشوارع، والتجوّل في الطرقات، لتقدم استعراضها الفني الجميل، ومعزوفاتها الرائعة التي تحرّك الأحاسيس، وتزيد الحماسة.
قال الطبل:
-من الطبيعي أن أقف في المقدمة.. إن صوتي الجهوري، وضرباتي المجلجلة، تشد الناس، وتجعلهم يأتون من كل حدب وصوب للمشاركة في هذا الاحتفال الجماهيري.
قال الدُّف:
-وأنا.. أين سأقف؟..
أجاب الطبل:
-ستقف أنت والطبلة الصغيرة والمزهر ورائي مباشرة، فأنتم أولادي، ولا أستطيع الإبتعاد عنكم.. أما بقيّة الآلات.
-فليرتّبوا أنفسهم كيفما يريدون.
تمشّى الكمان ببطء، ووضع نفسه خلف الطبل والدُّف والطبلة والمزهر.. ثم تلاه العود، ذو الخطوات الرصينة.. أما الناي فقد أصبح في مؤخرة الفرقة، ولم يكترث أحد لوجوده.
حزن الناي على نفسه حزنًا شديدًا.. وقال:
-"أشكو أمري للطبل عله يرأف لحالي"
-يا رئيس الفرقة الموسيقية.. أيها الطبل المبجل.. هل يرضيك أن أقف في آخر القوم، ويقف الآخرون أَمامي.. أرجو أن تنصفني وتحكم بالعدل.
ضحك الطبل ملء شدقيه:
-بم.. بم.. بم.. كلامك غريب أيها المزمار الهزيل.. لا بدّ أنّك نسيت نفسك، ومن تكون، حين فكرت بالمجيئ إليّ،
-لماذا...؟
سأل الناي مستغربًا.
-انظر إلى شكلك.. ألا ترى أن طولك لا يتعدى السنتيمترات.. وأن قامتك الضعيفة لا تليق بالمقّدمات.. اذهب من هنا.. عُدْ إلى مكانك، فالأولويّة تكون لأصحاب الأحجام الكبيرة، والأصوات القوية.. وما أنت سوى عود من القصب المثقوب جلبوه من الحقل.
زاد حزن الناي، وانكفأ على نفسه يحدّثها بصوت شجيّ:
-صحيح أنني عود قصب.. وصحيح أن حجمي ليس كبيرًا، وصوتي ليس بقوّة الرعد.. لكنّ الإحساس الذي أبثّه في ألحاني، والرقة التي تخرج من ثقوب قامتي تجعل أقسى القلوب ترقّ، وتفيض حنانًا.