ـ هيّا بنا.
وقال ديبو:
ـ أنا تعبْتُ، سأرجعُ إلى البيت.
انطلقَ أسامةُ وخالدٌ وحسّانُ، يتراكضونَ، ويضحكونَ، مُتآلفينَ مُتحابّينَ، وظلَّ ديبو وحيدًا، يرنو إليهم، ويتوقُ إلى صحبتهم، ولكنَّ لسانَهُ الطويل، المقصَّ اللعينَ، قطعَ حبالَ المودَّة بينهُ وبينهم، فأبعدَهُ عنهم، وأبعدَهم عنهُ، فعادَ كئيبًا إلى البيت، يفكِّرُ فيما حدثَ، ويعضُّ على لسانهِ الطويل..
النمّام
في باحةِ المدرسةِ، زكوانُ وصالحٌ، يسيرانِ، ويتحادثانِ، وديبو خلفهما، يصغي إليهما.. قالَ زكوانُ:
ـ سأشتري اليومَ قلمًا جديدًا.
ـ أينَ قلمكَ؟
ـ لقد انكسر.
ـ كيف؟
ـ أعرْتُهُ لزميلي عبيدة، فسقطَ من يدهِ.
ـ هل أعطاكَ ثمنَهُ؟
ـ عرضَ عليَّ ذلك، وأنا رفضْتُ.
ـ لماذا؟
ـ لأنَّهُ زميلي، يستعيرُ منِّي، وأستعيرُ منهُ.
دخلَ ديبو بينهما، وقال لزكوان:
ـ يجبُ أنْ تأخذَ ثمنَ القلم.
ـ لا تتدخَّلْ فيما لا يعنيكَ.
صمتَ ديبو غاضبًا، تراجعَ إلى الوراء، ثمّ انطلقَ مسرعًا، يبحثُ عن عبيدة، وحينما التقاهُ، قالَ لهُ:
ـ إيَّاكَ أنْ تستعيرَ شيئًا من زكوان.
ـ لماذا؟
ـ سمعْتُهُ يتحدَّثُ عن قلمهِ الذي كسرْتَهُ.
ـ ولكنَّني عرضْتُ عليهِ ثمنَهُ، فأبى أنْ يأخذَ شيئًا!
ـ ادفعْ لهُ ثمنَ قلمهِ، واكسبْ سكوتَهُ.
ـ صدقْتَ.
أسرعَ عبيدةُ إلى زكوان، وقالَ لهُ غاضبًا:
ـ كم تريدُ ثمنَ قلمكَ؟
ـ لا أريدُ شيئًا.
ـ ستأخذُ ثمنَهُ، شئْتَ أم أبيْت.
ـ لماذا تكلِّمُني هكذا؟
ـ لأنَّكَ فضحْتَني بقلمكَ!
ـ أنتَ مخطئٌ في ذلك.
ـ أنا مخطئ لأنَّني استعرْتُ من بخيل.
ـ احفظْ لسانَكَ.
ـ احفظْ أنتَ لسانَكَ.
احمرَّّتِ العيونُ، تشابكَتِ الأيدي، جاءتْ لكمةٌ من هذا، ولكمةٌ من ذاك..
كان ديبو يراقبُهما، ولا يجرؤ على الاقتراب، لم يكنْ في حسبانهِ، أنَّ الأمرَ سيصلُ إلى العراك، لذلكَ مكثَ صامتًا نادمًا، يعضُّ على لسانهِ الطويل..
دخلَ صالحٌ بينَ المتعاركينِ، فكَّ الأذرعَ المتشابكة، وهدَّأ النفوسَ الثائرة بكلماتٍ رقيقةٍ، ثمّ أخبرَ عبيدةَ بالحديثِ الذي دارَ بينهُ وبينَ زكوان، فوجدَهُ عبيدةُ حديثًا عاديًّا، لا مأخذَ عليهِ، فقال نادمًا:
ـ ما أغباني عندما أصغيْتُ إلى ديبو!
ـ ديبو إذنْ سببُ الفتنة؟!
ـ نعم، هو السبب.
ـ هيّا نبحثْ عنهُ.
توارى ديبو خلسةً، عائدًا إلى بيتهِ، وهو يقولُ:
ـ آهِ يا لساني الطويل، لم تُبقِ لي صاحبًا!
العضَّة الأخيرة