ـ لا أُطيقُ صبرًا.
ـ انصرفْ إذنْ، وراجعِ الطبيب.
حملْتُ محفظتي، وذهبْتُ إلى البيت.. فُوجئَتْ أُمّي برجوعي، قبلَ انتهاءِ الدروس، وهالَها شحوبُ وجهي، فسألَتْني جزعةً:
ـ ما بكَ يا حبيبي؟!
ـ مريض، مريض.
ـ ماذا يُؤلمكَ؟
ـ بطني، بطني.
ـ سأُحضرُ لكَ الطبيب.
ـ لا أُريدُ طبيبًا.
ـ ماذا تريد؟
ـ أحضري ليَ الطعام.
هُرعَتْ أُمّي إلى المطبخ، وعادَتْ بأطباقِ الطعامِ الساخن، فانتشرَتْ روائحُهُ الشهيَّةُ، وحينما شممْتُها، انتعشْتُ، وانتشيْتُ، ورقصَ قلبي ولبِّي، وقلْتُ محبورًا:
ـ ما أطيبَ رائحةَ الطعام!
أخذَ الطعامُ، يغمزُني، ويدعوني، بصوتٍ خافتٍ، ولكنَّني أسمعُهُ، وأفهمُهُ، فأقبلْتُ عليهِ، هائمًا مَشوقًا، ألتهمُهُ التهامًا.. كانَتْ يدي الرشيقةُ، تعلو، وتهبطُ، تنطلقُ من الأطباقِ، وتنتهي إلى الفمِ، صاعدةً نازلة، في رحلةٍ لذيذةٍ مُتواصلة..
طالَتِ الرحلةُ، وفترَتْ يدي، فكففْتُ، وما شبعْتُ.. قالَتْ أمِّي:
ـ كيفَ حالكَ الآن؟
ـ شُفيتُ، وعُوفيت.
ـ الحمدُ لله، هل أرفع الطعام؟
ـ لا, لا.. سأعودُ إليهِ، بعدَ أنْ أستريح.
ـ حسْبُكَ يا بنيّ، لا يقتلكَ الطعام!
ـ لا يقتلُني إلاّ الجوع.
قالَتْ أُمِّي الحنون: ليتني متُّ قبلَ أنْ أراكَ جائعًا هذا الجوع!
اللصُّ والحَلْوَى
الحَلوَى..
ما أحلى هذهِ الكلمة!
الدنيا حلوةٌ، لأنَّ فيها حَلوى.
وفي هذهِ الليلةِ الحلوة، أعدَّتْ لنا أُمُّنا، أصنافًا من الحلوى، عبقَتْ روائحُها اللذيذةُ، في أرجاء البيت، فسالَ لها لعابي، وهامَ بها قلبي وبطني..
وسألْتُ أُمِّي:
ـ متى تنضجُ الحلوى؟
ـ بعدَ قليل.
ـ نفدَ صبري!
ـ اصبرْ مثلَ إخوتكَ.
ـ إخوتي لا يدركونَ مثلي قيمةَ الحلوى.
ـ أتحبُّها كثيرًا؟
ـ حبُّها أتلفَ قلبي وأسناني.
غادرَتْني أُمِّي، وهيَ تضحك..
وانتظرْتُ على جَمر، أتنسَّمُ روائحَ الحلوى، وألحسُ شفاهي..
سينضجُ قلبي، قبلَ أنْ تنضجَ الحلوى!
ما أمرَّ الصبرَ!
لازمْتُ أُمِّي كظلِّها، أمشي وراءها إذا مشَتْ، وأقفُ إذا وقفَتْ..
وأخيرًا..
نضجَتِ الحلوى، وخرجَتْ من الفرنِ، مُحمرَّةَ الوجهِ خجلًا، كأنَّها تقولُ لنا:
ـ سامحوني، لقد تأخَّرْت.
وأحدقْنا بها، من كلِّ جانبٍ، نلتقفُها التقافًا، ولا نعبأُ بسخونتها..
أكلَ إخوتي، وأكلْتُ.
شبعَ إخوتي، وما شبعْتُ.