الصفحة 139 من 373

تسلَّلْتُ من فراشي، أسرعْتُ إلى النافذة، ألقيْتُ نظرةً على حديقةِ البيت، وقعَتْ عيني على شجرةِ الكرز..

ـ الصوتُ ينبعثُ من هناك.

حملقْتُ جيِّدًا..

ـ ماذا أرى؟.. كشفْتُ صاحبَ الصوت!

تركْتُ أهلي في سُباتٍ عميقٍ، هبطْتُ الدرجَ مسرعًا، وحينما صرْتُ تحتَ الكرزةِ، احتضنْتُ جذعَها بذراعيَّ، وتسلَّقتُهُ صاعدًا، مثلَ سنجابٍ ماهر، وسرعانَ ما أصبحْتُ بينَ الأغصانِ، المثقلَةِ بالثمارِ اللذيذةِ الحمراء..

ـ سمعْتُ نداءكِ أيّتها الثمار، وهأنذا قد لبَّيتُ النداء.

أخذْت أقطفُ، وآكلُ، وآكلُ، وأقطفُ، من أمامي، ومن خلفي..

يدايَ تقطفانِ، ولا تفتران.

وفمي يمضغُ، ولا يتعبُ.

ومرَّ الوقتُ لذيذًا، لم أشعرْ فيهِ بكلالٍ أو ملال..

ـ ما أطيبَ العملَ، ما أحلى النشاط!

تذكَّرْتُ أهليَ النائمينَ، وقلْتُ في نفسي: مَنْ لا يعملْ لا يأكلْ.

استيقظَ أفرادُ أسرتي، أعدّوا الفطورَ، وأنا فوقَ الشجرة..

بحثوا عنِّي في فراشي، وفي أرجاءِ البيت، و..

لم يجدوا لي أثرًا، لأنَّني كنْتُ فوقَ الشجرة. ذُعرَتْ أُمّي، واضطربَ بالُها، فهُرعَتْ قلقةً، تبحثُ عنّي، في حديقةِ البيت..

رأيتُها مُرتاعةً، حزنْتُ عليها، ولم أستطعْ أنْ أُنادَيها، لأنَّ فمي كان مملوءًا!

وأبصرَتْني أُمّي على الشجرة، فهرولَتْ إليها، ونادَتْني من تحتها:

ـ أنتَ هنا، ونحن نبحثُ عنك؟!

قلتُ بصوتٍ ممزوجٍ بالمَضْغ:

ـ ماذا تريدينَ؟

ـ انزلْ يا كبيرَ البطن!

ـ لا أستطيع.

ـ لماذا؟!

قلْتُ وأنا آكلُ:

ـ لأنَّني لم أشبعْ.

ـ ومتى تشبعُ؟!

ـ لا أدري، واللهِ.

ـ انزلْ لتتناولَ معنا الفطور.

ـ سأتناولُ الفطورَ بعدَما أشبع.

ـ وكيف ستفطرُ، إذا شبعْتَ؟!

ـ الشبعُ من الكرزِ شيء, والشبعُ من الفطور شيءٌ آخر.

ـ الشبعُ واحدٌ يا شَرِه!

ـ كيفَ أشبعُ من الفطور، وأنا لم أتناولْ منهُ لقمةً واحدة؟!

اقتنعَتْ أُمّي بصحّةِ كلامي، وانصرفَتْ وهي تقولُ:

ـ لا تتأخَّرْ يا بنيّ!

ابتعدَتْ، ولم تسمعْ جوابي، لأنَّني لا أستطيعُ الكلامَ، فقد كانَ فمي مملوءًا، والفمُ المملوءُ لا يقدرُ على الكلام!

المريض

ما أطولَ يومَ المدرسةِ!.. ساعةُ الانصرافِ، لا تريدُ أنْ تأتي.

شعرْتُ بملالٍ وإرهاق، أحسسْتُ بوجعٍ في بطني، وضعْتُ عليهِ يدي، وقد تغيَّرَ لوني، وشحُبَ وجهي، شاهدَني المعلِّمُ، على هذهِ الحال، فسألَني مشفقًا:

ـ ما بكَ يا بنيّ؟

ـ أشعرُ بألمٍ شديدٍ في بطني.

ـ لم يبقَ سوى درسٍ واحد، هل تصبرُ حتَّى ينتهي؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت