انصرفْ، وَدَعْني معَ هؤلاءِ العلماءِ الأفاضلِ، أتعلَّمُ منهم ما ينفعُ الناسَ فيبقى لي عندَ الله. هيا.
الغزال…: حاضر. (ويندفع نحو الباب، ثم يتوقف مطرقًا برأسه إلى الأرض) .
عبد الرحمن…: ما بك؟!!
الغزال…: (وكأنه يعتذر- يتقدم قليلًا ثم يلقي شعرًا اخترعه الآن..)
سَأَمْضي لا أعودُ ... يُعَذِّبُني الصُّدودُ
عبد الرحمن…: اِمْضِ إذنْ!!
الغزال…: (دهشًا من إجابة الأمير الحازمة)
أَتستغنونَ عنِّي ... بعودٍٍ لا يُفيدُ؟!!
عبد الرحمن…: بلى نستغني عنكَ!!
الغزال…: (بدهشة، ولكن برجاء)
أَيطرُدُني أَميري ... وشِعْري فيه عُودُ؟!
عبد الرحمن…: يا غزالُ أليسَ العودُ لا يُفيدُ؟!
الغزال…:
إذا زِريابُ غنَّى ... بأَشعاري يَجُودُ
زرياب…: وبأشعارِ غَيْرِكَ يا غزالُ، لكنّكَ نسيتَ ألحاني!!
الغزال…:
يُغنِّيها فتزهو ... كأنّ اليومَ عيدُ
فعذرًا يا رفاقي ... مَحَبَّتَكُمْ أُريدُ!!
عبد الرحمن…: (يضحك، ويضحك معه زرياب) أنتَ ذكيٌ يا غزالُ، اِرْجِعْ إِلينا… اِرْجِعْ (يعود الغزال ويقف بجانب الأمير) ما تقولُ يا أبا الحَسنِ؟!
زرياب…: ما يقولُ مولانا نقولُ. (وهو يقدم للأمير عوده الخاص) أَرجو يا مولايَ أن تَقْبَلوا هديتي المتواضِعَة.
عبد الرحمن…: أتُهديني عودَكَ؟!
زرياب…: عودُ زِريابَ لا يغلو على مولانا الأميرِ. فيصيرُ لديهِ جوهرتانِ؛ شِعْرُ الغزالِ وَعُودي!!
الغزال…: (مسرورًا) اللهُ، الله (لزرياب) لقد غَلَبْتْنَي يا أبا الحَسنِ!!
عبد الرحمن…: (ينظر إلى العود دهشًا) ما هذا؟!.. إنه بخمسةِ أوتارٍ يا بنَ نافعٍ؟!
زرياب…: أضفْتُ بنفسي وَتَرًا خامِسًا بعدَ أن كانوا أربعةً، ولهذا تسمعُ يا مولايَ غناءً جميلًا وعَزْفًا مُعبِّرًا!!
عبد الرحمن…: أحسنْتَ يا بنَ نافعٍ!! جزاكَ اللهُ عنَّا كلَّ خيرٍ.
زرياب…: (وهو يقدم ريشة نسر) وهذهِ مَعَهُ. ريشةُ نَسْرٍ بدلَ مِضْرابِ الخشَبْ.
عبد الرحمن…: (وهو يتأمل الريشة بفرح ودهشة) لله درُّكَ، تختَرِعُ لنا المآكلَ والمشاربَ، وتُعَلِّمُنا لُبْسَ الملابسِ حَسْبَ الفصول، وتداوي بالأنغام والألحانِ المرضى، وتُضيفِ وترًا خامسًا للعودِ، وغيرُ ذلكَ كثيرٌ حتى تجرَّأْتَ على النسورِ الكواسرِ فجعلتَ ريشَها للأنغامِ الجميلةِ، فبماذا نكافئكَ؟!
زرياب…: بالرِّضى عمّا نفعلُهُ في سبيلِ الأندلسِ!!
عبد الرحمن…: قد رَضِينا، وبَعْدُ؟!!
زرياب…: بالأمانِ لي، ولأولادي، ولتلاميذي، ومعهدي!!