كَانَ مُسْتَكْبِرًا مُتَعَالِيًا فِي الأَرْضِ، مُسْرِفًا فِي كُفْرِهِ، وَفِي أَمْرِهِ كُلِّهِ، وَمُبَالِغًا فِيهِ، فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَخَافَ مِنْهُ. [1]
وهذا هو الإيمان في الخوف الذي فَرَّق الله تعالى به بين الصحابة أنفسهم، فجعل الفتح (وهو صلح الحديبية في آية الحديد السابقة) جعله سبحانه فُرقانا بين الصحابة، فكانت منزلة من آمن قبل الحديبية أعظم من منزلة من آمن بعدها، ذلك لأن الحديبية كان فرقانا بين الخوف قبلها والأمن بعدها، إذ أَمِنَ الناسُ بعد الصلح ودخل في عامين (6 ـ 8هـ) أضعاف من دخله في تسعة عشر عاما (من البعثة إلى الصلح في 6 هـ) ،فقد كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم الحديبية ألف وأربعمائة صحابي، وكان معه يوم فتح مكة ـ بعد الحديبية بعامين ـ عشرة آلاف صحابي رضي الله عنهم أجمعين، وبهذا تتبين لك منزلة الإيمان على الخوف، فليحرص المسلم على فضيلة السبق والمبادرة ولا يثبطه الشيطان عن ذلك بمشقة الطريق وبقلة عدد سالكيه وضعفهم، وببطش أعدائهم فإن الحق غالب لا محالة، قال تعالى: {كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ} [المجادلة:21]
قَدْ قَضَى اللهُ تَعَالَى، وَحَكَمَ فِي أُمِّ الكِتَابِ، بِأَنَّ النَّصْرَ والغَلَبَةَ سَتَكُونُ لَهُ تَعَالَى، وَلِرَسُولِهِ وِلِعِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ، فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ، وَقَضَاءُ اللهِ نَافِذٌ لاَ مَحَالَةَ، وَلاَ رَادَّ لَهُ، وَاللهُ قَوِيٌ لاَ يُقْهَرُ، عَزِيزٌ لاَ يُغَالَبُ. [2]
وهذا وعد الله الصادق الذي كان والذي لا بد أن يكون على الرغم مما قد يبدو أحيانا من الظاهر الذي يخالف هذا الوعد الصادق.
فالذي وقع بالفعل أن الإيمان والتوحيد قد غلبا على الكفر والشرك. واستقرت العقيدة في الله في هذه الأرض ودانت لها البشرية بعد كل ما وقف في طريقها من عقبات الشرك والوثنية، وبعد الصراع الطويل مع الكفر والشرك والإلحاد. وإذا كانت هناك فترات عاد فيها الإلحاد أو الشرك إلى الظهور في بعض بقاع الأرض - كما يقع الآن في الدول الملحدة والوثنية - فإن العقيدة في الله ظلت هي المسيطرة بصفة عامة. فضلا على أن
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1448،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5003،بترقيم الشاملة آليا)