لا بد أن يعلم المسلم أن أعدى أعدائه إليه هو نفسه التي بين جنبيه، وأنها بطبعها ميالة إلى الشر، فَرَّارَة من الخير، أمَّارة بالسوء: قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ) سورة يوسف. تحب الدعة، والخلود إلى الراحة، وترغب في البطالة، وتنجرف مع الهوى، تستهويها الشهوات العاجلة وإن كان فيها حتفها وشقاءها.
فإذا عرف المسلم هذا عبأ نفسه لمجاهدة نفسه، فأعلن عليها الحرب، وشهر ضدها السلاح، وصمم على مكافحة رعوناتها، ومناجزة شهواتها، فإذا أحبت الراحة أتعبها، وإذا رغبت في الشهوة حرمها، وإذا قصرت في طاعة أو خير عاقبها ولامها، ثم ألزمها بفعل ما قصرت فيه، وبقضاء ما فوتته أو تركته.
يأخذها بهذا التأديب حتى تطمئن، وتطهر، وتطيب، وتلك غاية المجاهدة للنفس. قال تعالى: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ} (69) سورة العنكبوت
والمؤمنون الذين جاهدوا أعداء الله، والنفس، والشيطان، وصبروا على الفتن والأذى في سبيل الله، سيهديهم الله سبل الخير، ويثبتهم على الصراط المستقيم، ومَن هذه صفته فهو محسن إلى نفسه وإلى غيره. وإن الله سبحانه وتعالى لمع مَن أحسن مِن خَلْقِه بالنصرة والتأييد والحفظ والهداية. [1]
والمسلم إذ يجاهد نفسه في ذات الله لتطيب، وتطهر، وتزكو، وتطمئن، وتصبح أهلًا لكرامة الله تعالى ورضاه يعلم أن هذا هو درب الصالحين، وسبيل المؤمنين الصادقين، فيسلكه مقتديًا بهم، ويسير معه مقتفيًا آثارهم.
فعَنْ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ نَبِىَّ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يَقُومُ مِنَ اللَّيْلِ حَتَّى تَتَفَطَّرَ قَدَمَاهُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ لِمَ تَصْنَعُ هَذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَقَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَكَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا
(1) - التفسير الميسر - (7/ 189)