* وقال ابن تيمية رحمه الله ـ في سياق كلامه عن جواز اغتياب الشخص المعين ـ قال [وفِي مَعْنَى هَذَا نُصْحُ الرَّجُلِ فِيمَنْ يُعَامِلُهُ وَمَنْ يُوَكِّلُهُ وَيُوَصِّي إلَيْهِ وَمَنْ يَسْتَشْهِدُهُ؛ بَلْ وَمَنْ يَتَحَاكَمُ إلَيْهِ. وَأَمْثَالُ ذَلِكَ؛ وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي مَصْلَحَةٍ خَاصَّةٍ فَكَيْفَ بِالنُّصْحِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُقُوقُ عُمُومِ الْمُسْلِمِينَ: مِنْ الْأُمَرَاءِ وَالْحُكَّامِ وَالشُّهُودِ وَالْعُمَّالِ: أَهْلِ الدِّيوَانِ وَغَيْرِهِمْ؟ فَلَا رَيْبَ أَنَّ النُّصْحَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ] [1] .
لا تعارض بين ما ذكرته آنفا من إبلاغ الأمير بأمر من يُحدِث فتنة أو فسادا في الصف وبين حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَا يُبَلِّغُنِي أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي عَنْ أَحَدٍ شَيْئًا، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ» [2] .
فإن حديث ابن مسعود هذا هو الأصل وقد أورده النووي في رياض الصالحين في باب (باب النهي عن نقل الحديث وكلام الناس إِلَى ولاة الأمور إِذَا لَمْ تَدْعُ إِلَيْهِ حاجة كخوف مفسدة ونحوه) [3] فالأصل هو النهي عن نقل أحوال الناس إلى ولاة الأمور، والاستثناء من هذا الأصل هو إذا دعت الحاجة إلى نقل أحوالهم لدرء المفاسد والفتن وكشف المفسدين، وقد ذكرت أدلة هذا آنفا.
(1) - مجموعة الرسائل والمسائل لابن تيمية - رشيد رضا (5/ 109) والمنتخب من كتب شيخ الإسلام (ص:174) ومجموع الفتاوى (28/ 230)
(2) - سنن أبي داود (4/ 265) (4860) ضعيف فيه جهالة
(وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"لَا يُبَلِّغُنِي) :بِتَشْدِيدِ اللَّامِ وَيُخَفَّفُ وَهُوَ نَفْيٌ بِمَعْنَى النَّهْيِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَزْمِ أَيْ: لَا يُوصِلُنِي (أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِي) :بَيَانٌ لِأَحَدٍ (عَنْ أَحَدٍ) أَيْ: عَنْ قِبَلِ أَحَدٍ مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (شَيْئًا) ،أَيْ: مِمَّا أَكْرَهُهُ وَأَغْضَبُ عَلَيْهِ وَهُوَ عَامٌّ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ بِأَنْ شَتَمَ أَحَدًا وَآذَاهُ، وَقَالَ فِيهِ خَصْلَةَ سُوءٍ. (فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَخْرُجَ إِلَيْكُمْ) أَيْ: مِنَ الْبَيْتِ وَأُلَاقِيكُمْ (وَأَنَا سَلِيمُ الصَّدْرِ) أَيْ: مِنْ مَسَاوِيكُمْ جُمْلَةٌ حَالِيَّةٌ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَالْمَعْنَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - يَتَمَنَّى أَنْ يَخْرُجَ مِنَ الدُّنْيَا وَقَلْبُهُ رَاضٍ عَنْ أَصْحَابِهِ مِنْ غَيْرِ سُخْطٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ، وَهَذَا تَعْلِيمٌ لِلْأُمَّةِ أَوْ مِنْ مُقْتَضَيَاتِ الْبَشَرِيَّةِ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (7/ 3046) "
(3) - رياض الصالحين ت الفحل (ص:429)