فهرس الكتاب

الصفحة 67 من 234

وَمَا لَكُم يَا أَيُّها النَّاسُ لاَ تُنْفِقُونَ مِنْ أَمْوالِكم فِي سَبيلِ اللهِ؟ أَتَخْشَوْنَ الفَقْرَ إِنْ أَنْفَقْتُمْ؟ أَنْفِقُوا وَلاَ تَخْشَوْا شَيْئًا، فَإِنَّ الذِي أَنْفَقْتُمْ أَمْوالَكُمْ فِي سَبِيلهِ هُوَ مَالكُ السَّمَاواتِ وَالأَرْضِ، وَقَدْ تَكَفَّلَ بِرِزْقِكُمْ، وَبِالإِخْلاَفِ عَلَيكُم {وَمَآ أَنفَقْتُمْ مِّن شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ} .ثُمَّ بَيَّنَ تَعَالى تَفَاوَتَ دَرَجَاتِ المُنْفِقِينَ، بِحَسَبِ تَفَاوُتِ أَحْوَالِهم، فَقالَ: إِنَّهُ لاَ يَسْتَوي مَنْ آمَنَ، وَهَاجَرَ، وَأَنْفَقَ مَالَهُ في سَبِيلِ اللهِ، قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ (أَوْ قَبْلَ صُلْحِ الحَدَيْبِيَةِ عَلَى قَوْلٍ) ،مَعَ مَنْ آمنَ، وَأَنْفَقَ بَعْدَ الفَتْحِ، فَالأَوَّلُونَ أَعْظَمُ دَرجةً عِنْدَ الله، لأنَّ المُؤْمِنينَ قَبْلَ الفَتْحِ كَانُوا قَليلي العَدَدِ، وَواجِبَاتُهُمْ كَثِيرةٌ وَثَقِيلةٌ، أَمَّا بَعْدَ الفَتْحِ فَقَدِ انْتَشَرَ الإِسْلامُ، وَأَمِنَ النَّاسُ. وَاللهُ عَلِيمٌ خَبِيرٌ بِمَا يَعْمَلُهُ العِبَادُ. [1]

ذلك لأن البدء في أي أمرٍ شاقٌ لا يقوى عليه إلا الأفذاذ أصحاب الهمم العالية، وما أندرهم، فإذا قام الأمر دخل فيه آخرون ممن لا يقوون على تحمل مشقة البدء فكانوا أدنى منزلة ممن سبقهم، {وَكُلا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى} .

إن البدء في أمر الدعوات الحقة لا تكتنفه المشقة فقط بل يكتنفه ما هو أشد من ذلك وهو الخوف من بطش شياطين الإنس أعداء الحق، كما قال تعالى: {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلَّا ذُرِّيَّةٌ مِنْ قَوْمِهِ عَلَى خَوْفٍ مِنْ فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِمْ أَنْ يَفْتِنَهُمْ وَإِنَّ فِرْعَوْنَ لَعَالٍ فِي الْأَرْضِ وَإِنَّهُ لَمِنَ الْمُسْرِفِينَ} [يونس:83]

وَأَظْهَرَ اللهُ الحَقَّ عَلَى البِاطِلِ، فَأَلْقَى مُوسَى عَصَاهُ فَالْتَقَفَتْ جَمِيعَ مَا أَلْقَاهُ السَّحَرَةُ، وَمَوَّهُوا بِهِ عَلَى النَّاسِ. وَكَانَ ذَلِكَ نَصْرًا عَظِيمًا لِمُوسَى مِنْ رَّبِهِ، وَلَكِنَّ فِرْعَوْنَ وَقَوْمَهُ اسْتَمَرُّوا فِي كُفْرِهِمْ وَعِنَادِهِمْ. وَلَمَّا أُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ للهِ اسْتِغْفَارًا وَتَوْبَةً، وَرَجَاءً أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ ذُنُوبَهُمْ، قَالَ لَهُمْ فِرْعَوْنُ: إِنَّهُ سَيُعَاقِبُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِتَقْطِيعِ أَيْدِيْهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ مِنْ خِلاَفٍ، وَسَيَصْلِبَهُمْ عَلَى جُذُوعِ النَّخْلِ، لأَنَّهُمْ آمَنُوا لِمُوسَى قَبْلَ أَنْ يَأَذْنَ هُوَ لَهُمْ بِذَلِكَ - كَمَا جَاءَ فِي آيَاتٍ أُخَرَ -.وَيُخْبِرُ اللهُ تَعَالَى أَنَّهُ لَمْ يُؤْمِنْ لِمُوسَى إِلاَّ جَمَاعَةٌ مِنَ الشَّبَابِ مِنْ قَوْمِهِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ آمَنُوا بِهِ وَهُمْ خَائِفُونَ مِنْ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ أَنْ يَضْطَرُّوهُمْ بِالعَذَابِ وَالنَّكَالِ إِلَى الرُّجُوعِ عَنِ الإِيمَانِ بِرَبِّهِمْ (يَفْتِنَهُمْ) ،وَذَلِكَ لأَنَّ فِرْعَوْنَ

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4964،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت