بذلك. فعَنْ دُخَيْنٍ أَبِي الْهَيْثَمِ، كَاتِبِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ، قَالَ: قُلْتُ لِعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ الْخَمْرَ، وَأَنَا دَاعٍ الشُّرْطَ لِيَأْخُذُوهُمْ، فقَالَ عُقْبَةُ: وَيْحَكَ، لَا تَفْعَلْ، وَلَكِنْ عِظْهُمْ وَهَدِّدْهُمْ، قَالَ: إِنِّي نَهَيْتُهُمْ، فَلَمْ يَنْتَهُوا، وَإِنِّي دَاعٍ الشُّرْطَ لِيَأْخُذُوهُمْ، فقَالَ عُقْبَةُ: وَيْحَكَ، لَا تَفْعَلْ، فَإِنِّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،يَقُولُ: «مَنْ سَتَرَ عَوْرَةَ مُؤْمِنٍ، فَكَأَنَّمَا اسْتَحْيَى مَوْءُودَةً فِي قَبْرِهَا» . [1]
(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص:266) (758) والسنن الكبرى للبيهقي (8/ 574) (17610) والسنن الكبرى للنسائي (6/ 464) (7241) والمعجم الأوسط (1/ 204) (655) والمعجم الأوسط (8/ 304) (8705) وصحيح ابن حبان - مخرجا (2/ 274) (517) من طرق صحيح لغيره
«مَنْ رَأَى عَوْرَةً» ):وَهِيَ مَا يَكْرَهُ الْإِنْسَانُ ظُهُورَهُ، فَالْمَعْنَى مَنْ عَلِمَ عَيْبًا أَوْ أَمْرًا قَبِيحًا فِي مُسْلِمٍ (فَسَتَرَهَا) :أَوْ رَأَى عَوْرَةَ مُسْلِمٍ مَكْشُوفَةً فَسَتَرَهَا بِثَوْبِهِ أَوْ مِنْ عِنْدِهِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ أَيْ: مَنْ رَأَى خَلَلًا مِنْ هَتْكِ سِتْرٍ أَوْ وَقْعٍ فِي عِرْضٍ وَنَحْوِهِمَا ; لِأَنَّ النَّاسَ يَخْتَلُّ حَالُهُمْ عِنْدَهَا. (كَانَ كَمَنْ أَحْيَا) أَيْ: كَانَ ثَوَابُهُ كَثَوَابِ مَنْ أَحْيَا (مَوْءُودَةً) :بِأَنْ رَأَى أَحَدٌ أَحَدًا يُرِيدُ وَأْدَ بِنْتٍ فَمَنَعَ أَوْ سَعَى فِي خَلَاصِهَا وَلَوْ بِحِيلَةٍ، وَقَالَ الْمُظْهِرُ: بِأَنْ رَأَى حَيًّا مَدْفُونًا فِي قَبْرٍ فَأَخْرَجَ ذَلِكَ الْمَدْفُونَ مِنَ الْقَبْرِ كَيْلَا يَمُوتَ، وَوَجْهُ تَشْبِيهِ السَّتْرِ عَلَى عُيُوبِ النَّاسِ بِإِحْيَاءِ الْمَوْءُودَةِ أَنَّ مَنِ انْتَهَكَ سِتْرَةً يَكُونُ مِنَ الْخَجَالَةِ كَمَيِّتٍ إِذْ يُحِبُّ الْمَوْتَ مِنْهَا، فَإِذَا سَتَرَ أَحَدٌ عَلَى عَيْبِهِ، فَقَدْ دَفَعَ عَنْهُ الْخَجَالَةَ الَّتِي هِيَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَوْتِ اهـ.
وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ: وَجْهُ الْمُشَابَهَةِ هُوَ الْمُنَاسَبَةُ الضِّدِّيَّةُ، فَإِنَّ بِالشَّيْءِ يُذْكَرُ ضِدُّهُ، وَالْمَعْنَى مَنْ سَتَرَ مَا شَرَعَ اللَّهُ سَتْرَهُ كَانَ كَمَنْ رَفَعَ السِّتْرَ عَمَّا لَمْ يُشْرَعْ سِتْرُهُ، أَوْ وَجْهُ الشَّبَهِ هُوَ إِصْلَاحُ الْفَسَادِ فِي الْقَرِينَتَيْنِ فَلَا إِشْكَالَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْحَالِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ وَجْهَ الشَّبَهِ الْأَمْرُ الْعَظِيمُ يَعْنِي مَنْ سَتَرَ عَلَى مُسْلِمٍ فَقَدِ ارْتَكَبَ أَمْرًا عَظِيمًا كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً، فَإِنَّهُ أَمْرٌ عَظِيمٌ، فَيَدُلُّ عَلَى فَخَامَةِ تِلْكَ الشَّنْعَاءِ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا} [المائدة:32] الْكَشَّافُ: فِيهِ تَعْظِيمُ قَتْلِ النَّفْسِ وَإِحْيَائِهَا فِي الْقُلُوبِ ; لِيَسْتَمِرَّ النَّاسُ عَلَى الْجَسَارَةِ عَلَيْهَا، وَيَتَرَاغَبُوا فِي الْمُحَامَاةِ عَلَى حُرْمَتِهَا ; لِأَنَّ الْمُتَعَرِّضَ لِقَتْلِ النَّفْسِ إِذَا تَصَوَّرَ قَتْلَهَا بِصُورَةِ قَتْلِ جَمِيعِ النَّاسِ عَظُمَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَثَبَّطَهُ، وَكَذَلِكَ الَّذِي أَرَادَ إِحْيَاءَهَا اهـ كَلَامُهُ.
فَكَذَا مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتُرَ عَيْبَ مُؤْمِنٍ وَعِرْضَهُ إِذَا تَصَوَّرَ أَنَّهُ إِحْيَاءُ الْمَوْءُودَةِ عَظُمَ عِنْدَهُ سَتْرُ عَوْرَةِ الْمُؤْمِنِ، فَيَتَحَرَّى فِيهِ وَيَبْذُلُ جُهْدَهُ. قُلْتُ: وَهَذَا الْمَعْنَى لَا يُنَافِيهِ اعْتِبَارُ وَجْهِ الشَّبَهِ فِيمَا سَبَقَ، نَعَمْ فِي الْآيَةِ لَمَّا عَظُمَ عَلَى صَاحِبِ الْكَشَّافِ وَجْهُ شَبَهِ قَتْلِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ بِقَتْلِ الْأَنْفُسِ جَمِيعِهَا، وَكَذَا إِحْيَاؤُهَا بِإِحْيَائِهَا اعْتُبِرَ مَعْنَى الْعَظَمَةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْمُنَاسَبَةِ لِلْمُشَابَهَةِ بَيْنَ الْكَمِّيَّةِ وَالْكَيْفِيَّةِ، مَعَ أَنَّ فِي الْآيَةِ مَعَانِيَ أُخَرَ أَظْهَرُ مِنْ قَوْلِ الْكَشَّافِ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ أَيْ: مَنِ اسْتَحَلَّ دَمَ مُسْلِمٍ فَكَأَنَّمَا اسْتَحَلَّ دِمَاءَ النَّاسِ ; لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ نَفْسٍ وَنَفْسٍ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ لِأَنَّهُ يُقْتَلُ قِصَاصًا كَمَا لَوْ قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ وَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ كَمَا لَوْ قَتَلَ الْجَمِيعَ، وَهَذَا قَوْلُ مُجَاهِدٍ، أَوْ كَمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وِزْرًا وَإِثْمًا، وَهَذَا قَوْلُ قَتَادَةَ وَهُوَ تَعْظِيمٌ لِلْقَتْلِ، وَلَا يَصِحُّ إِلَّا عَلَى طَرِيقِ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ. وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا مِنْ حَيْثُ أَنَّ قَتْلَ الْوَاحِدِ وَالْجَمْعِ سَوَاءٌ فِي اسْتِجْلَابِ غَصْبِ اللَّهِ وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ أَيْ: فِي أَصْلِ الِاسْتِجْلَابِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ.
فعَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ قَالَ: جَاءَ قَوْمٌ إِلَى عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَقَالُوا: إِنَّ لَنَا جِيرَانًا يَشْرَبُونَ وَيَفْعَلُونَ، أَفَنَرْفَعُهُمْ إِلَى الْإِمَامِ؟ قَالَ: لَا، سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «مَنْ رَأَى مِنْ مُسْلِمٍ عَوْرَةً فَسَتَرَهَا، كَانَ كَمَنْ أَحْيَا مَوْءُودَةً مِنْ قَبْرِهَا» مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3121)