فهرس الكتاب

الصفحة 203 من 234

وعَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ جَابِرٍ، عَنْ أَبِيهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ الْحَدِيثَ وَهُوَ يَلْتَفِتُ فَهِيَ أَمَانَةٌ» [1]

وعَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم:"الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ: سَفْكُ دَمٍ حَرَامٍ، أَوْ فَرْجٌ حَرَامٌ، أَوْ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ" [2]

وفي التنزيل قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ} [الأنفال:27]

نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ فِي أَبِي لُبَابَةَ حِينَ بَعَثَهُ الرَّسُولُ - صلى الله عليه وسلم - إِلَى بَنِي قُرَيْظَةَ لِيَنْزِلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، فَاسْتَشَارَ اليَهُودُ أَبَا لُبَابَةَ - وَكَانَ حَلِيفًا لَهُمْ - فَأَشَارَ عَلَيْهِمْ بِالنُّزُولِ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللهِ، وَلَكِنَّهُ أَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ، أَيْ أَنَّه الذَّبْحَ. ثُمَّ شَعَرَ أَنَّهُ خَانَ اللهَ وَرَسُولَهُ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ فِي سَارِيَةِ المَسْجِدِ تِسْعَةِ أَيَّامٍ لاَ يَذُوقُ طَعَامًا حَتَّى تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، فَأَطْلَقُهُ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -. (وَقِيلَ أَيْضًا إِنَّهَا نَزَلَتْ فِي حَاطِبِ بْنِ أبِي بَلْتَعَةَ، الذِي أَرْسَلَ

(1) - مسند أبي داود الطيالسي (3/ 318) (1870) حسن

قَالَ: إِذَا حَدَّثَ الرَّجُلُ) أَيْ: عِنْدَكَ أَوْ عِنْدَ أَحَدٍ وَهُوَ الْأَظْهَرُ (الْحَدِيثَ) أَيِ: الَّذِي يُرِيدُ إِخْفَاءَهُ (ثُمَّ الْتَفَتَ) أَيْ: غَابَ عَنْكَ أَوْ عَنْهُ بِمُفَارَقَةِ الْمَجْلِسِ (فَهِيَ) أَيْ: ذَلِكَ الْحَدِيثُ وَأَنْتَ بِاعْتِبَارِ خَبَرِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ (أَمَانَةٌ) .وَقِيلَ لِأَنَّ الْحَدِيثَ بِمَعْنَى الْحِكَايَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْأَمَانَةِ، فَلَا يَحُوزُ إِضَاعَتُهَا بِإِشَاعَتِهَا، وَقَدْ فَسَّرَ الْمُظْهِرُ قَوْلَهُ: الْتَفَتَ بِغَابَ، وَحِينَئِذٍ، ثُمَّ عَلَى بَابِهِ مِنَ التَّرَاخِي الْمُسْتَفَادِ مِنْهُ حُكْمُ التَّعْقِيبِ بِالْأَوْلَى. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْتَفَتَ هُنَا عِبَارَةٌ عَنِ الْتِفَاتِ خَاطِرِهِ إِلَى مَا تَكَلَّمَ، فَالْتَفَتَ يَمِينًا وَشِمَالًا احْتِيَاطًا، فَثُمَّ هُنَا لِلتَّرَاخِي فِي الرُّتْبَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا تَرَتُّبُ الْفَاءِ، وَأَنَّ الثَّانِي مُسَبَّبٌ عَنِ الْأَوَّلِ. قُلْتُ: هَذَا تَكَلُّفٌ ظَاهِرٌ مُسْتَغْنًى عَنْهُ، فَإِنَّ الْحُكْمَ عَامٌّ غَيْرُ مُخَصَّصٍ بِمَا يُفْهَمُ مِنْهُ، وَالْفَاءُ لَازِمَةٌ لِلْجَزَاءِ، فَلَيْسَ فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى مَا ادَّعَاهُ أَصْلًا، وَحَاصِلُهُ إِجْمَالًا مَعْنَى الْحَدِيثِ الْآتِي الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ وَيُسْتَثْنَى مِنْهَا مَا سَيَأْتِي وَاللَّهُ أَعْلَمُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3166)

(2) - سنن أبي داود (4/ 268) (4869) فيه جهالة

"الْمَجَالِسُ بِالْأَمَانَةِ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ) أَيْ: إِحْدَى الثَّلَاثَةِ مِنَ الْمَجَالِسِ، وَالْمَعْنَى يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ إِذَا رَأَى أَهْلَ مَجْلِسٍ عَلَى مُنْكَرٍ أَنْ لَا يَشِيعَ مَا رَأَى مِنْهُمْ إِلَّا ثَلَاثَةَ مَجَالِسَ (سَفْكُ دَمٍ) :بِالرَّفْعِ بِتَقْدِيرِ هِيَ مَجْلِسُ إِرَاقَةِ دَمٍ (حَرَامٍ) ،بِالْجَرِّ صِفَةُ دَمٍ أَيْ دَمٌ حَرَامٌ سَفْكُهُ أَوْ دَمٌ مُحْتَرَمٌ فِي الشَّرْعِ (أَوْ فَرَجٌ حَرَامٌ، أَوِ اقْتِطَاعُ مَالٍ بِغَيْرِ حَقٍّ) .قَيْدٌ لِلْأَخِيرِ فَقَطْ، وَلَعَلَّ الْعُدُولَ عَنْ حَرَامٍ هُنَا لِأَجْلِ مَفْهُومِهِ مِنَ الْحَلَالِ، فَإِنَّ اقْتِطَاعَ مَالِ النَّاسِ ظُلْمًا حَرَامٌ، سَوَاءٌ يَكُونُ الْمَالُ حَلَالًا أَمْ حَرَامًا، فَالْجَارُّ مُتَعَلِّقٌ بِالِاقْتِطَاعِ كَمَا لَا يَخْفَى. قَالَ الْمُظْهِرُ: كَمَا إِذَا سَمِعَ مَنْ قَالَ فِي مَجْلِسٍ: أُرِيدُ قَتْلَ فُلَانٍ أَوِ الزِّنَا بِفُلَانَةٍ أَوْ أَخْذَ مَالِ فُلَانٍ، فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ سَتْرُ ذَلِكَ حَتَّى يَكُونُوا عَلَى حَذَرِ مِنْهُ. مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3166) "

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت