فهرس الكتاب

الصفحة 202 من 234

عَلَيْهِ هَذِهِ الْخِصَالُ، وَقَالَ الْبَيْضَاوِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَامًّا لِيَنْزَجِرَ الْكُلُّ عَنْ هَذِهِ الْخِصَالِ عَلَى آكَدِ وَجْهٍ إِيذَانًا بِأَنَّهَا طَلَائِعُ النِّفَاقِ الَّذِي هُوَ أَسْمَجُ الْقَبَائِحِ؛ لِأَنَّهُ كُفْرٌ ضَمُّوا إِلَيْهِ الِاسْتِهْزَاءَ وَالْخِدَاعَ بِرَبِّ الْأَرْبَابِ، وَمُسَبِّبِ الْأَسْبَابِ، فَيُعْلَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّهَا مُنَافِيَةٌ لِحَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَيَنْبَغِي لِلْمُسْلِمِ أَلَّا يَرْتَعَ حَوْلَهَا، فَإِنَّ مَنْ رَتَعَ حَوْلَ الْحَمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُنَافِقِ الْمُنَافِقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَنْ يُخَالِفُ سِرُّهُ عَلَنَهُ مُطْلَقًا، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ: وَمَنْ كَانَتْ فِيهِ خَصْلَةٌ، وَكَذَا قَوْلُهُ: خَالِصًا ; لِأَنَّ الْخِصَالَ الَّتِي يَتِمُّ بِهَا الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ السِّرِّ وَالْعَلَنِ لَا تَزِيدُ عَلَى هَذَا. قَالَ النَّوَوِيُّ: حَصَلَ مِنَ الْحَدِيثَيْنِ خَمْسُ خِصَالٍ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: إِذَا عَاهَدَ غَدَرَ دَاخِلٌ فِي إِذَا اؤْتُمِنَ خَانَ. وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ يَرْجِعُ إِلَى ثَلَاثٍ بَلْ إِلَى وَاحِدَةٍ هِيَ أَقْبَحُهَا، وَهِيَ الْكَذِبُ، قِيلَ: لَكِنَّ الْحَقَّ أَنَّهَا خَمْسَةٌ بِاعْتِبَارِ تَغَايُرِهَا عُرْفًا أَوْ تَغَايُرِ أَوْصَافِهَا وَلَوَازِمِهَا، وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ قَوْلِهِ: ثَمَّةَ ثَلَاثٌ، وَهُنَا أَرْبَعٌ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ، وَعَلَى مُقَابِلِهِ الَّذِي صَحَّحَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - أَعْلَمَ بِالْوَحْيِ بِثَلَاثٍ، ثُمَّ بِأَرْبَعٍ، أَوْ مَعْنَاهُ الْإِنْذَارُ وَالتَّحْذِيرُ مِنْ أَنْ يَعْتَادَ هَذِهِ الْخِصَالَ فَتُفْضِي بِهِ إِلَى النِّفَاقِ الْخَالِصِ، وَإِمَّا لِلْعَهْدِ إِمَّا مِنْ مُنَافِقِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - وَإِمَّا مِنْ مُنَافِقٍ خَاصٍّ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالنِّفَاقِ هُوَ النِّفَاقُ الْعَمَلِيُّ لَا الْإِيمَانِيُّ، أَوِ الْمُرَادُ النِّفَاقُ الْعُرْفِيُّ، وَهُوَ مَا يَكُونُ سِرُّهُ خِلَافَ عَلَنِهِ، وَاسْتُحْسِنَ هَذَا؛ لِأَنَّ النِّفَاقَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ الِاعْتِقَادِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْكُفْرِ وَإِظْهَارُ الْإِسْلَامِ، وَعُرْفِيٌّ وَهُوَ الْعَمَلِيُّ الَّذِي هُوَ إِبِطَانُ الْمَعْصِيَةِ وَإِظْهَارُ الطَّاعَةِ، فَإِرَادَتُهُ هُنَا أَوْلَى. وَإِطْلَاقُ النِّفَاقِ عَلَى الْعَمَلِيِّ كَإِطْلَاقِ الْكُفْرِ عَلَى بَعْضِ كَبَائِرِ الذُّنُوبِ فِي نَحْوِ قَوْلِهِ - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: «سِبَابُ الْمُسْلِمِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ» ).وَأَبَى الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ مَرَّةً هَذَا الْإِطْلَاقَ، وَمَرَّةً قَالَ بِهِ، فَسَمَّى صَاحِبَ الْكَبِيرَةِ مُنَافِقًا، وَيُحْكَى أَنَّهُ رَجَعَ عَنِ الْأَوَّلِ لَمَّا أَرْسَلَ لَهُ عَطَاءٌ إِذْ بَلَغَهُ عَنْهُ ذَلِكَ أَنَّ إِخْوَةَ يُوسُفَ عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وُجِدَتْ فِيهِمْ تِلْكَ الثَّلَاثَةُ أَفَتَرَاهُمْ مُنَافِقِينَ؟ فَسُرَّ بِمَا نَبَّهَهُ عَلَيْهِ عَطَاءٌ ..." [1] "

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 126)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت