الْإِسْلَامِ، وَمِنْ دَارِ الْبِدْعَةِ إِلَى دَارِ السُّنَّةِ، وَمِنَ الْمَعْصِيَةِ إِلَى التَّوْبَةِ، لِقَوْلِهِ - صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:" «الْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ» " (وَالْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ; أَيْ مَعَ الْكُفَّارِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللَّهِ وَقَمْعِ أَعْدَائِهَا، وَمَعَ النَّفْسِ بِكَفِّهَا عَنْ شَهَوَاتِهَا، وَمَنْعِهَا عَنْ لَذَّاتِهَا، فَإِنَّ مُعَادَاةَ النَّفْسِ مَعَ الشَّخْصِ أَقْوَى وَأَضَرُّ مِنْ مُعَادَاةِ الْكَفَرَةِ مَعَهُ، وَقَدْ رَوَى: أَعْدَى عَدُّوِكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْكَ (فَإِنَّهُ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ (وَإِنَّهُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ"إِنَّ"ضَمِيرُ الشَّأْنِ، وَالْجُمْلَةُ بَعْدَهُ تَفْسِيرُهُ، وَهُوَ كَالتَّعْلِيلِ لِلْأَمْرِ بِالتَّمَسُّكِ بِعُرَى الْجَمَاعَةِ، وَالْوَاوُ مِثْلُهَا ; فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل:15] بَعْدَ قَوْلِهِ {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا} [النمل:15] فِي الْإِخْبَارِ عَنِ الْجُمْلَتَيْنِ، وَتَفْوِيضِ التَّرْتِيبِ بَيْنَهُمَا إِلَى ذِهْنِ السَّامِعِ ( «مَنْ خَرَجَ مِنَ الْجَمَاعَةِ قِيدَ شِبْرٍ» ) بِكَسْرِ الْقَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ ; أَيْ قَدْرَهُ وَأَصْلُهُ الْقَوَدُ مِنَ الْقَوْدِ ; وَهُوَ الْمُمَاثَلَةُ وَالْقِصَاصُ، وَالْمَعْنَى مَنْ فَارَقَ مَا عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ بِتَرْكِ السُّنَّةِ وَاتِّبَاعِ الْبِدْعَةِ وَنَزْعِ الْيَدِ عَنِ الطَّاعَةِ، وَلَوْ كَانَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ يُقَدَّرُ فِي الشَّاهِدِ بِقَدْرِ شِبْرٍ، ( «فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ» ) ; أَيْ نَقَضَ عَهْدَهُ وَذِمَّتَهُ (مِنْ عُنُقِهِ) وَانْحَرَفَ عَنِ الْجَمَاعَةِ وَخَرَجَ عَنِ الْمُوَافَقَةِ (إِلَّا أَنْ يُرَاجِعَ) بِصِيغَةِ الْمُفَاعَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ، وَالرِّبْقَةُ بِكَسْرٍ فَسُكُونٍ ; وَهِيَ فِي الْأَصْلِ ; عُرْوَةٌ فِي حَبْلٍ يُجْعَلُ فِي عُنُقِ الْبَهِيمَةِ، أَوْ يَدِهَا تُمْسِكُهَا، فَاسْتَعَارَهَا لِلْإِسْلَامِ، يَعْنِي مَا شَدَّ الْمُسْلِمُ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ عُرَى الْإِسْلَامِ ; أَيْ حُدُودِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَوَامِرِهِ وَنَوَاهِيهِ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ: وَالْمَعْنَى فَقَدْ نَبَذَ عَهْدَ اللَّهِ، وَأَخْفَرَ ذِمَّتَهُ الَّتِي لَزِمَتْ أَعْنَاقَ الْعِبَادِ ; لُزُومَ الرِّبْقَةِ، بِالْكَسْرِ، وَهِيَ وَاحِدَةُ الرِّبَقُ، وَهُوَ حَبْلٌ فِيهِ عِدَّةُ عُرَى يُشَدُّ بِهِمُ الْبُهُمُ ; أَيْ أَوْلَادُ الضَّأْنِ، وَالْوَاحِدَةُ مِنْ تِلْكَ الْعُرَى رِبْقَةٌ، (وَمَنْ دَعَا بِدَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ) قَالَ الطِّيبِيُّ: عُطِفَ عَلَى الْجُمْلَةِ الَّتِي وَقَعَتْ مُفَسِّرَةً لِضَمِيرِ الشَّأْنِ لِلْإِيذَانِ بِأَنَّ التَّمَسُّكَ بِالْجَمَاعَةِ وَعَدَمَ الْخُرُوجِ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَالْخُرُوجَ عَنْ زُمْرَتِهِمْ مِنْ هِجِّيرَى الْجَاهِلِيَّةِ، كَمَا قَالَ - صلى الله عليه وسلم:" «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» "فَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ بِسُنَنِهَا عَلَى الْإِطْلَاقِ ; لِأَنَّهَا تَدْعُو إِلَيْهَا، وَهُوَ أَحَدُ وَجْهَيْ مَا قَالَ الْقَاضِي، وَالْوَجْهُ الْآخَرُ الدَّعْوَى تُطْلَقُ عَلَى الدُّعَاءِ وَهُوَ