عَلَى اسْتِقْلَالِ كُلٍّ مِنَ الْقَيْدَيْنِ أَيْ: يُسْتَجَابُ مَا لَمْ يَدَعْ، يُسْتَجَابُ مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ. (قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الِاسْتِعْجَالُ؟ قَالَ: يَقُولُ) :أَيِ: الدَّاعِي (قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ) :أَيْ: مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى يَعْنِي مَرَّاتٍ كَثِيرَةً، أَوْ طَلَبْتُ شَيْئًا وَطَلَبْتُ آخَرَ (فَلَمْ أَرَ) :أَيْ: فَلَمْ أَعْلَمْ أَوْ أَظُنَّ دُعَائِي وَهُوَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي مَحْذُوفٌ. كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ: وَالْأَظْهَرُ أَنْ يُسْتَجَابَ بِتَقْدِيرِ أَنْ أَوْ بِدُونِ أَنْ بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ، وَالْمَعْنَى لَمْ أَرَ آثَارَ اسْتِجَابَةِ دُعَائِي"يُسْتَجَابُ لِي":وَهُوَ إِمَّا اسْتِبْطَاءٌ أَوْ إِظْهَارُ يَأْسٍ، وَكِلَاهُمَا مَذْمُومٌ. أَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّ الْإِجَابَةَ لَهَا وَقْتٌ مُعَيَّنٌ، كَمَا وَرَدَ: إِنَّ بَيْنَ دُعَاءِ مُوسَى وَهَارُونَ عَلَى فِرْعَوْنَ، وَبَيْنَ الْإِجَابَةِ أَرْبَعِينَ سَنَةً، وَأَمَّا الْقُنُوطُ، فَلَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ، مَعَ أَنَّ الْإِجَابَةَ عَلَى أَنْوَاعٍ مِنْهَا تَحْصِيلُ عَيْنِ الْمَطْلُوبِ فِي الْوَقْتِ الْمَطْلُوبِ، وَمِنْهَا: وُجُودُهُ فِي وَقْتٍ آخَرَ لِحِكْمَةٍ اقْتَضَتْ تَأْخِيرَهُ، وَمِنْهَا: دَفْعُ شَرٍّ بَدَلَهُ، أَوْ إِعْطَاءُ خَيْرٍ آخَرَ خَيْرٍ مِنْ مَطْلُوبِهِ. وَمِنْهَا: ادِّخَارُهُ لِيَوْمٍ يَكُونُ أَحْوَجَ إِلَى ثَوَابِهِ،"فَيَسْتَحْسِرُ":أَيْ: يَنْقَطِعُ وَيَمِيلُ وَيَفْتُرُ، اسْتِفْعَالٌ مِنْ حَسَرَ إِذَا عَيِيَ وَتَعِبَ"عِنْدَ ذَلِكَ":أَيْ: عِنْدَ رُؤْيَتِهِ عَدَمَ الِاسْتِجَابَةِ فِي الْحَالَةِ"وَيَدَعُ الدُّعَاءَ":أَيْ: يَتْرُكُهُ مُطْلَقًا، أَوْ ذَلِكَ الدُّعَاءَ. وَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَمَلَّ مِنَ الدُّعَاءِ، لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ، وَتَأْخِيرُ الْإِجَابَةِ إِمَّا لِأَنَّهُ لَمْ يَأْتِ وَقْتُهُ ; لِأَنَّ لِكُلِّ شَيْءٍ وَقْتًا مُقَدَّرًا فِي الْأَزَلِ، أَوْ لِأَنَّهُ لَمْ يُقَدَّرْ فِي الْأَزَلِ قَبُولُ دُعَائِهِ فِي الدُّنْيَا فَيُعْطَى فِي الْآخِرَةِ مِنَ الثَّوَابِ عِوَضَهُ، أَوْ يُؤَخَّرُ دُعَاؤُهُ لِيُلِحَّ وَيُبَالِغَ فِي الدُّعَاءِ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُلِحِّينَ فِي الدُّعَاءِ، وَلَعَلَّ عَدَمَ قَبُولِ دُعَائِهِ بِالْمَطْلُوبِ الْمُخَصَّصِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ تَحْصِيلِهِ، {وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} [البقرة:216] . [1]
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،أَنَّهُ، قَالَ: «لَا يَزَالُ يُسْتَجَابُ لِلْعَبْدِ* مَا لَمْ يَدْعُ بِإِثْمٍ، أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ، مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ» , قِيلَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، مَا الِاسْتِعْجَالُ؟،قَالَ: «يَقُولُ: يَا رَبِّ قَدْ دَعَوْتُ، وَقَدْ دَعَوْتُ، فَمَا أَرَاكَ تَسْتَجِيبُ لِي، فَيَدَعُ الدُّعَاءَ» . [2]
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ: «مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ بِدَعْوَةٍ إِلَّا أَتَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إِيَّاهَا أَوْ كَفَّ عَنْهُ مِنَ الشَّرِّ مِثْلَهَا
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (4/ 1525)
(2) - صحيح ابن حبان - مخرجا (3/ 257) (976) صحيح