نَظَرٌ ظَاهِرٌ، فَإِنَّ الْخِلَافَ شَهِيرٌ فِي ذِي الْكَبِيرَةِ إِذَا مَاتَ مُصِرًّا، وَرُؤْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ، وَإِلَّا لَمْ يَطْلُبْهَا مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - فَمَرْدُودٌ، إِذْ لَا عِبْرَةَ بِخِلَافِ الْخَوَارِجِ وَالْمُعْتَزِلَةِ، وَلِأَنَّ رُؤْيَةَ اللَّهِ مُسْتَحِيلَةٌ شَرْعًا، وَطَلَبُ مُوسَى - عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - كَانَ مَبْنِيًّا عَلَى أَنَّهَا غَيْرُ مُسْتَحِيلَةٍ عَقْلًا، فَلَمَّا أَفَاقَ وَعَلِمَ بِاسْتِحَالَتِهِ شَرْعًا قَالَ: سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ، وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ. أَيْ: بِأَنْ لَا تُرَى فِي الدُّنْيَا. قِيلَ: وَمِنْهُ أَخْفِ زَلَلَنَا عَنِ الْكِرَامِ الْكَاتِبِينَ، نَعَمْ إِنْ قَصَدَ التَّوْفِيقَ لِلتَّوْبَةِ عَقِبَ الزَّلَّةِ حَتَّى لَا يَكْتُبَهَا الْمَلَكُ جَازَ، لِحَدِيثِ ابْنِ عَسَاكِرَ: «إِذَا تَابَ الْعَبْدُ أَنْسَى اللَّهُ تَعَالَى الْحَفَظَةَ ذُنُوبَهُ، وَأَنْسَى ذَلِكَ جَوَارِحَهُ وَمَعَالِمَهُ مِنَ الْأَرْضِ، حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى وَلَيْسَ عَلَيْهِ شَاهِدٌ مِنَ اللَّهِ بِذَنْبٍ» ،وَمِنْهُ مَا دَلَّ السَّمْعُ الْأُحَادِيُّ عَلَى ثُبُوتِهِ، كَاللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُسْلِمِينَ جَمِيعَ ذُنُوبِهِمْ، لِأَنَّ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ طَائِفَةٍ مِنْهُمُ النَّارَ، وَلَا يُنَافِيهِ قَوْلُهُمُ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَلِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ مَحَلَّهُ إِذَا أَرَادَ مُطْلَقَ الْمَغْفِرَةِ لَهُمْ، أَمَّا إِذَا أَرَادَ عُمُومَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ، فَهُوَ مَحَلُّ الْحُرْمَةِ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ مُكَذِّبٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ بِلَفْظٍ أَعْجَمِيٍّ جَهِلَ مَعْنَاهُ، وَمِنْهُ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْلِمْهُ مُطْلَقًا، أَوْ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ بِأَزْيَدَ مِمَّا ظَلَمَهُ، وَلَا يُنَافِيهِ قِصَّةُ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ أَحَدِ الْعَشْرَةِ الْمُبَشَّرَةِ، حَيْثُ دَعَا عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ بِأَكْثَرَ لِأَنَّهُ مَذْهَبُ صَحَابِيٍّ، وَمَعَ حِلِّهِ يَذْهَبُ أَجْرُهُ لِحَدِيثِ التِّرْمِذِيِّ:" «مَنْ دَعَا عَلَى ظَالِمِهِ فَقَدِ انْتَصَرَ» ".وَاخْتَلَفُوا فِي الدُّعَاءِ عَلَى الظَّالِمِ بِسُوءِ الْخَاتِمَةِ وَنَحْوِهِ فَقِيلَ: يُبَاحُ كَمَا قَالَ نُوحٌ: {وَلَا تَزِدِ الظَّالِمِينَ إِلَّا ضَلَالًا} [نوح:24] وَقَالَ مُوسَى: {وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ} [يونس:88] ، «وَدَعَا نَبِيُّنَا - صلى الله عليه وسلم - عَلَى عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ كَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ وَشَجَّ وَجْهَهُ، فَقَالَ:"اللَّهُمَّ لَا تُحِلْ عَلَيْهِ الْحَوْلَ حَتَّى يَمُوتَ كَافِرًا فَكَانَ كَذَلِكَ» "،وَقِيلَ يُمْنَعُ. قَالَ ابْنُ حَجَرٍ: وَجَمَعَ بَعْضُهُمْ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مُتَمَرِّدٍ عَمَّ ظُلْمُهُ، وَالثَّانِي عَلَى غَيْرِهِ، وَأَقُولُ: الصَّوَابُ أَنَّ الْأَوَّلَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَافِرِ وَالثَّانِي عَلَى الْمُسْلِمِ.
"أَوْ قَطِيعَةِ رَحِمٍ":نَحْوَ: اللَّهُمَّ بَاعِدْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ"مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ":قَالَ الطِّيبِيُّ: الظَّاهِرُ ذِكْرُ الْعَاطِفِ فِي قَوْلِهِ: مَا لَمْ يَسْتَعْجِلْ، لَكِنَّهُ تُرِكَ تَنْبِيهًا