وفي نفس الإطار؛ كان للإمام الكتاني عمل واسع في المجال السياسي، فبالإضافة إلى علاقته المتميزة بقادة الدولة العثمانية، والوساطة بينها وبين عناصر المجتمع السوري؛ كانت له حظوة كبرى في زمن تلميذه الشريف فيصل بن الحسين الذي تولى حكم سوريا عام (1336) ، والذي كان يزوره في منزله ويوكله في تنصيب مفتي سوريا.
وعند دخول الاستعمار الفرنسي سوريا عام (1338) ، واعتقال زعماء الوطنيين وحكمه بالإعدام على جمهرة كبرى من مجاهدي الشام؛ جعله وجهاء البلاد واسطة بينهم وبين جنرالات فرنسا من أجل إطلاق سراح الثوار، وتخفيف الضيق عن البلاد وأهلها.
ثم عاد المترجم إلى فاس عام 1345، وما إن استقر بها حتى استأنف نشاطه الديني بجامع القرويين عن طريق شرح مسند الإمام أحمد بن حنبل الذي لم يدرس قط في تاريخ المغرب، وكان شرحه هذه المرة على طريقة الاجتهاد المطلق، يذكر نصوص وفتاوى أعلام المذاهب الأربعة، ثم يذكر الراجح عنده، ويتكلم على الأحاديث كلام حافظ ناقد. كما لم يكن يغفل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإرشاد الحضور إلى طريق الهدى والرشاد، بحيث أحدث ثورة إيمانية ودينية بفاس حينه. وكان يحضر دروسه بالقرويين مختلف طبقات المجتمع، بحيث كانت تشد الرحلة إليه، وكان يمتلئ جامع القرويين عن آخره، وقد حزر حضور درسه بحوالي عشرة آلاف شخص. وبالرغم من أن دروسه لم تزد عن الشهرين فقط - نظرا لمرضه ووفاته - فقد كان لها تأثير كبير.
كان الإمام محمد بن جعفر الكتاني عالم عصره، المتضلع من جميع العلوم الشرعية، تلمذ له كبار علماء الهند والحجاز والشام، ومصر والمغرب والجزائر، وتونس وموريتانيا...وغيرهم، بل لازم بعض المستشرقين دروسه؛ ك:سرديرا الإسباني، وفلورين الفرنسي.