ومبدأه والبغض والكراهة أصل كل ترك ومبدأه وهاتان القوتان في القلب أصل سعادته وشقاوته ووجود العقل الاختيارى لا يكون إلا بوجود سببه من الحب والارادة وأما عدم الفعل فتارة يكون لعدم مقتضاه وسببه وتارة يكون بوجود البغض والكراهة المانع منه وهذا متعلق الامر والنهى وهو يسمي الكف وهو متعلق الثواب والعقاب وبهذا يزول الاشتباه في مسألة الترك هل هو أمر وجودي أو عدمي والتحقيق انه قسمان فالترك المضاف الى عدم السبب المقتضي عدمي والمضاف الى السبب المانع من الفعل وجودى فصل
وكل واحد من الفعل والترك الاختياريين فانما يؤثر الحي لما فيه من الحصول والمنفعة التي يلتذ بحصولها أو زوال الالم الذي يحصل له الشفاء بزواله ولهذا يقال شفاء صدره وشفاء قلبه قال
هي الشفاء لداء لو ظفرت بها ... وليس منها الداء مبذول وهذا مطلوب يؤثره العاقل حتي الحيوان البهيم ولكن يغلط فيه أكثر الناس غلطا قبيحا فيقصد حصول اللذة بما يعقب عليه أعظم الالم فيؤلم نفسه من حيث يظن أنه يحصل لذتها ويشفى قلبه بما يعقب عليه غاية المرض وهذا شأن من قصر نظره على العاجل ولم يلاحظ العواقب وخاصة العقل النظر في العواقب فاعقل الناس من أثر لذة نفسه وراحته في الآجلة الدائمة على العاجلة المنقضية الزائلة وأسفه الخلق من باع نعيم الابد وطيب الحياة الدائمة واللذة العظمى التي لا تنغيص فيها ولا نقص بوجه ما بلذة منقضية مشوبة بالآلام والمخاوف وهي سريعة الزوال وشيكة الانقضاء قال بعض العلماء فكرت في سعي العقلاء فرأيت سعيهم كلهم في مطلوب واحد وإن اختلفت طرقهم في تحصيله رأيتهم جميعهم إنما يسعون في دفع الهم والغم عن نفوسهم فهذا في الاكل والشرب وهذا في التجارة والكسب وهذا بالنكاح وهذا بسماع الغناء والاصوات المطربة وهذا باللهو واللعب فقلت هذا المطلوب مطلوب العقلاء ولكن الطرق كلها غير موصلة اليه بل لعل أكثرها إنما يوصل الى ضده ولم أر في جميع هذه الطرق طريقا موصلا اليه بل لعل أكثرها إنما يؤثر الى الاقبال على الله وحده ومعالمته وحده وإيثار مرضاته على كل شيء فان سالك هذا الطريق فاته حظه من الدنيا فقد ظفر بالحظ العالى الذى لا فوت معه وإن حصل للعبد حصل له كل شيء وإن فاته فاته كل شيء وان ظفر بحظه من الدنيا ناله على أهني الوجوه فليس للعبد أنفع من هذا الطريق ولا أوصل منه الى لذته وبهجته وسعادته وبالله التوفيق