وزفر بن الحارث:"فقال زفر: إنا لم نغلق أبواب المدينة إلا لنعلم إيّانا تريدون أم غيرنا، وما بنا عجز عن الناس وما نحب قتالكم، وقد بلغنا عنكم صلاح وسيرة جميلة" [1] .. ثم أخرج لهم طعامًا، وأعطاهم خيلًا وسلاحًا، ثم نصحهم لعلمهم بأخبار الخصوم وعرض عليهم الرأي التالي:"إنه قد سار خمسة أمراء من الرَّقّة هم الحصين بن نُمير وشُرَحْبيل بن ذي الكَلاع وأدهم بن مُحْرِز وجَبَلَة بن عبد الله الخثعمي وعبيد الله بن زياد في عدد كثير مثل الشوك والشجر، فإن شئتم دخلتم مدينتنا وكانت أيدينا واحدة، فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعا. فقال سليمان بن صرد: قد طلب أهل مصرنا ذلك منّا فأبينا عليهم" [2] .
وفي رواية الطبري أنه عرض عليهم أيضًا: (( أتاكم عدد كثير، وحدٌ حديد، وايم الله لقلّ ما رأيتُ رجالًا هم أحسن هيئةً ولا عدةً، ولا أخلق لكلّ خير من رجال أراهم معك؛ ولكنه قد بلغني أنه قد أقبلت إليكم عدّة لا تُحصى، فقال ابن صُرَد: على الله توكلنا وعليه فليتوكل المتوكلون، ثم قال زفر: فهل لكم في أمر أعرضه عليكم؛ لعل الله أن يجعل لنا ولكم فيه خيرًا؟ إن شئتم فتحنا لكم مدينتنا، فدخلتموها فكان أمرنا واحدًا وأيدينا واحدة، وإن شئتم نزلتم على باب مدينتنا، وخرجنا فعسكرنا إلى جانبكم؛ فإذا جاءنا هذا العدو قاتلناهم جميعًا" [3] ."
فكان جواب أمير التوابين أنه رفض أيضًا هذه العرض وقال له: لسنا فاعلين، وشكره على نصيحته.
لكن هذا الوالي كان خبيرًا بالحروب، وعلى دراية بمنازلة الخصوم، وله خبرة في اختيار المواقع الإستراتيجية، فعرض عليهم خطة عسكرية عاجلة:"قال زفر: فبادروهم إلى عين الوردة وهي رأس عين فاجعلوا المدينة في ظهوركم ويكون الرستاق والماء والمادة في أيديكم وما بيننا وبينكم فأنتم آمنون منه، فاطووا المنازل، فوالله ما رأيت جماعةً قط أكرم منكم، فإني أرجو أن تسبقوهم، وإن قاتلتموهم فلا تقاتلوهم في فضاء ترامونهم وتطاعنونهم فإنّهم أكثر منكم، ولا آمن أن يحيطوا بكم، فلا تقفوا لهم فيصرعوكم، ولا تصفوا لهم، فإني لا أرى معكم رَجّالة ومعهم الرَّجّالة والفرسان بعضهم يحمي بعضًا، ولكن القوهم في الكتائب"
(1) السابق
(2) السابق 4/ 180
(3) الطبري 5/ 594