الصفحة 19 من 32

فابعثوا به إلى قومكم بالكوفة، فأنا عبد الله بن عزيز الكندي، فقالوا له: أنت ابن عمّنا، فإنك آمن، فقال لهم: والله لا أرغب عن مصارع إخواني الذين كانوا للبلاد نورًا وللأرض أوتادًا، وبمثلهم كان الله يُذكَر؛ قال: فأخذ ابنه يبكي في أَثَر أبيه، فقال: يا بنيّ، لو أنّ شيئًا كان آثرَ عندي من طاعة ربي إذًا لكنتَ أنت، وأَنشدَه قومه الشاميون لما رأوا من جزع ابنه وبكائه في أثره، وأُروا الشاميون له ولابنه رِقَّة شديدة حتى جزعوا وبكوا، ثم اعتزل الجانب الذي خرج إليه منه قومه، فشدّ على صفهم عند المساء، فقاتل حتى قُتل" [1] "

لما علم كريب بخطة انحياز رفاعة بن شداد استرجع وسار في مائة رجل لقتال أهل الشام، ولنترك ينقل لنا هذه الصورة بسنده:"أن كريب بن زيد الحميري مشى إليهم عند المساء ومعه راية بَلقاء في جماعة، قلما تنقص من مائة رجل إن نقصت، وقد كانوا تحدثوا بما يريد رفاعة أن يصنع إذا أمسى، فقام لهم الحميري وجمع إليه رجالًا من حمير وهَمْدَان، فقال: عباد الله! رُوحوا إلى ربّكم، والله ما في شيء من الدنيا خَلَف من رضاء الله والتوبة إليه، إنه بلغني أن طائفة منكم يريدون أن يرجعوا إلى ما خرجوا منه إلى دنياهم، وإن هم ركنوا إلى دنياهم رجعوا الى خطاياهم، فأما أنا فو الله لا أولّي هذا العدو ظهري حتى أرِدَ مَوارِدَ إخواني؛ فأجابوه وقالوا: رأينا مثل رأيك. ومضى برايته حتى دنا من القوم، فقال ابن ذي الكَلاع: والله إني لأرى هذه الراية حِمْيَرية أو هَمْدَانية، فدنا منهم فسألهم، فأخبروه، فقال لهم: أنتم آمنون. فقال له صاحبهم: إنا كنا آمنين في الدنيا، وإنما خرجنا نطلب أمان الآخرة؛ فقاتلوا القوم حتى قتلوا" [2] .

(1) السابق 5/ 604

(2) السابق 5/ 604

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت