أولًا: حديث جابر - رضي الله عنه - أنه قال: {كان آخر الأمرين من رسول الله ¢ ترك الوضوء مما مست النار} [1]
ثانيًا: حديث ابن عباس - رضي الله عنه - الذي استدل به أصحاب القول الأول؛"لأن ابن عباس إنما صحب النبي ¢ بعد الفتح، وهو يروي أنه رآه يأكل من كتف شاة، ثم صلّى ولم يتوضأ. [2] وهذا من أبين الدلالات على أن الوضوء مما مست النار منسوخ" [3]
ثالثًا: نقل الإجماع على ترك الوضوء مما مست النار. فقد جاء في المنتقى: [4] "وعلى ترك الوضوء مما مست النار جميع الفقهاء في زماننا، وإنما كان الخلاف فيه زمن الصحابة والتابعين، ثم وقع الإجماع على تركه"
الترجيح:
بعد النظر فيما سبق، يظهر رجحان القول الأول؛ لسلامة أدلته، وكونه آخر ما ثبت عن رسول الله ¢. [5]
(1) رواه النسائي -وهذا لفظه-في كتاب الطهارة. باب ترك الوضوء مما غيرت النار. رقم (185) 1/ 108. ورواه أبو داود في كتاب الطهارة. باب في ترك الوضوء مما مست النار. رقم (192) 1/ 133. ورواه ابن خزيمة في صحيحه رقم (43) 1/ 28. ورواه ابن حبان في صحيحه. رقم (1134) 3/ 416 - 417. انظر: التلخيص الحبير 1/ 204 - 205. وصححه النووي في شرح مسلم 4/ 58. وصححه أحمد شاكر في تعليقه على سنن الترمذي 1/ 121. وصححه الألباني في صحيح سنن النسائي 1/ 66.
(2) سبق تخريجه. انظر: ص 38. من هذا البحث.
(3) السنن الكبرى، للبيهقي 1/ 155.
(4) للباجي 1/ 56. كما حكى الإجماع: ابن جزي، في القوانين الفقهية. ص 22. والنووي، في شرح مسلم 4/ 58. وابن قدامة، في المغني 1/ 255.
(5) ثم اختلف أصحاب القول الأول. هل الحكم شامل لجميع ما مسته النار، أم يستثنى منه شيء. على قولين:
القول الأول: لم يستثن شيئًا، فجميع ما مسته النار لا ينقض الوضوء. وهذا قول الحنفية، والمالكية، والشافعية. انظر: بدائع الصنائع 1/ 32. الذخيرة 1/ 235. مغني المحتاج 1/ 140.
القول الثاني: استثنى لحم الإبل، فأكله ينقض الوضوء، مسته النار أم لم تمسه. وهذا قول الحنابلة، والظاهرية. انظر: كشاف القناع 1/ 130. المحلى 1/ 255.
وبالنظر في القولين لا يلحظ تأثير للنار في المسألة: أما على القول الأول فالأمر واضح. وأما على القول الثاني، فقد صرح أصحابه، أن لحم الإبل ينقض مطلقًا: سواء مسته النار، أم لم تمسه. قال ابن قدامة في المغني 1/ 250.:"وجملة ذلك أن لحم الإبل ينقض على كل حال: نيئًا، أم مطبوخًا". وقال ابن حزم في المحلى 1/ 227.:"الأمر الوارد بالوضوء من لحم الإبل، إنما هو حكم فيها خاصة، سواء مستها النار أم لم تمسها، فليس مس النار إياها يوجب الوضوء"