قد يكون الشاهد بالغًا عاقلًا مختارًا عدلًا مسلمًا ناطقًا بصيرًا، وتتوفر في حقه كافة الشروط، ورغم ذلك لا تقبل شهادته، كونه محل اتهام فيها، والاتهام في الشهادة، إما أن يكون بسبب خصومه بين الشاهد والمشهود عليه، أو بسبب وجود قرابة خاصة تربط الشاهد بالمشهود له، أو زوجية، أو صداقة، أو تبعية يترجح معها أن الشاهد يجر لنفسه نفعا، ً أو يدفع عنها ضررًا بشهادته، وبيانها فيما يلي: ـ
أولًا: ـ ألا يكون الشاهد خصمًا للمشهود عليه.
الخصومة المانعة من الشهادة نوعان:
النوع الأول: ـ خصومة بسبب النزاع، والمطالبة بحق من الحقوق، ومن ذلك عدم قبول شهادة الشريك لشريكه، والوكيل لموكله فيما هو شريك، أو وكيل فيه، لأن كلًا من هؤلاء في حكم المالك، والمالك لا شهادة له، لأنه مدعٍ، ومالك، فهو كالذي يشهد على فعل نفسه، فلا تقبل شهادته للتهمة، ومن ذلك أيضًا شهادة الدائنين لمدينهم المفلس بدين له على الغير، والكفيل للمكفول عنه. [1]
النوع الثاني: ـ خصومة بسبب العداوة الدنيوية [2] بين الشاهد والمشهود عليه، ومن ذلك عدم قبول شهادة العدو على عدوه، كشهادة المقذوف على القاذف، ولا شهادة المقتول وليه على القاتل، ولا شهادة المجروح على الجارح، ولا من بينه وبين المشهود عليه نزاع على منصب، أو جاه، سواء شهد عليه في نفس ما هو خصم فيه، أو في غيره لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا تقبل شهادة خصم ولا ظنين ولا ذي أحنه"- وذو الأحنه هو العدو- [3] والذين ذهبوا إلى أن العداوة مانعة من الشهادة هم: جمهور الفقهاء من المالكية، والشافعية، والحنابلة، والإمامية.
ما عد الأحناف، والظاهرية: فقد ذهبوا إلى أن العداوة ليست مانعة من الشهادة، لقوله تعالى: (وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وعلَّلوا ذلك بأن الله تعالى أمرنا في هذه الآية بالعدل على أعدائنا فصح أن من حكم بالعدل على عدوه، أو شهد وهو عدل على عدوة، فشهادته مقبولة، وحكمه نافذ [4] . والعداوة المانعة من الشهادة هي: العداوة على أمور الدنيا، أما العداوة على أمور الدين، فلا تمنع من الشهادة كشهادة المسلم على الكافر والمؤمن على الفاسق فشهادتهما مقبولة.
وسبب منع الشهادة بالعداوة: كون العداوة قد تحمل الشخص على أن يشهد على عدوه بغير حق بقصد إيقاع الأذى به، إذ العدو يتمنى زوال نعمة عدوه، ويحزن بسروره، ويفرح بمصيبته، ومن كان هذا شأنه، فلا تحصل الثقة في قوله.
(1) - د. عبدالكريم زيدان، مرجع سابق ص 156 - 157، د. عبدالله الخياري، مرجع سابق ص 256 - 257، المحامي عارف الرباصي، مرجع سابق، ص 146
(2) - المقصود بالعداوة هنا العداوة الظاهرة لا الباطنة لأن العداوة الباطنة لا إطلاع لأحد عليها إلا الله تعالى.
(3) - د. محمد بن حسين الشامي، مرجع سابق ص 24، د. عبدالفتاح ابو العينين، مرجع سابق 180
(4) - المحلى، مرجع سابق جـ 9 ص 40، د. عبدالله الخياري، مرجع سابق ص 267، المحامي عارف الرباصي مرجع سابق ص 147