يتفق عامة الفقهاء على اشتراط العدالة في الشاهد حال أداء الشهادة [1] لقوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) [2] وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ) [3]
والعدالة في اللغة: التوسط، ومنه قوله تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا) -أي عدولًا- واصطلاحًا: اختلفت عبارات الفقهاء في ذلك، فمنهم من يرى أنها: اجتناب الكبائر وعدم الإصرار على الصغائر، ومنهم من يرى أنها: التزام الواجبات الشرعية، ومستحباتها، واجتناب المحرمات، والمكروهات، ومنهم من يرى أن العدل: من غلبت حسناته سيئاته، ومنهم من يرى أن العدل: من لم يُطعن عليه في بطن، ولا فرج [4]
ويعرف الباحث العدالة: بأنها التزام المأمورات، واجتناب المحظورات، والتحلي بالأخلاق، والبعد عن الشبهات، والمحافظة على المُروءة.
ولا خلاف عند الفقهاء في أنه يجب على القاضي أن يحكم بشهادة الشهود، إذا وثق في ... عدالتهم، وتوفرت باقي شروط الصحة فيهم، أمَّا إذا علم فسقهم فإنه يجب عليه ردُّ شهادتهم، وعدم الحكم بها لانتفاء شرط العدالة فيهم. [5]
ولكن ما الحكم إذا كان القاضي لا يعرف شيئا عن عدالة الشهود، أو فسقهم، ولم يطعن الخصم في شهاداتهم، فهل يأخذ القاضي بظاهر حالهم؟ فيقبل شهاداتهم، أو لا يأخذ بشهاداتهم إلا بعد أن يتأكد من حالهم، وتثبت لديه عدالتهم؟ للفقهاء في هذه المسألة ثلاثة أراء، وفيما يلي بيانها تفصيلًا كون هذه المسألة أكثر وقوعًا في عصرنا الحاضر، وفي بيانها فائدة:
الرأي الأول: ـ يرى أصحاب هذا الرأي: أنه يجب على القاضي الامتناع عن الحكم بشهادة مجهولي العدالة قبل أن يتأكد من عدالتهم، فلا يأخذ بشهادتهم، إلا بعد أن تثبت لديه عدالتهم سواءً كانت شهادتهم تتعلق بحدٍ، أو قصاصٍ، أو غيرها، وسواءً طعن الخصم في عدالتهم، أو لم يطعن، وهذا ما ذهب إليه جمهور الفقهاء من الزيدية، والمالكية، والحنابلة في المشهور عندهم، وصاحبا أبي حنيفة، وحجتهم في ذلك قوله تعالى: (وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ) وقوله تعالى: (مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاء) فالله تعالى يأمرنا بأن نُشهد ذوي العدل منا المرضي، ومجهول الحال لا يُعرف أنه مرضي قبل التأكد من عدالته، كما استدلوا بما روي أن عمر رضي الله عنه أُتي إليه بشاهدين فقال لهما: لست أعرفكما فأتيا بمن يعرفكما، فأتيا برجل فقال له عمرًا: تعرفهما؟ فقال: نعم، فقال له عمر: صحبتهما في السفر الذي تبين فيه جواهر الناس؟ قال: لا فقال له عمر: عاملتهما في الدنانير، والدراهم التي تقطع فيها الرحم؟ قال: لا فقال له عمر: يا ابن أخي لست
(1) - بدائع الصنائع، مرجع سابق جـ 6 ص 268، ومغني المحتاج، مرجع سابق، جـ 4 ص 427، وحاشية البيجوري، مرجع سابق، جـ 2 ص 526
(2) - سورة الطلاق الآية رقم (2)
(3) - سورة الحجرات الآية رقم (6)
(4) - بدائع الصنائع، مرجع سابق، جـ 6 ص 268
(5) - د. عبدالله الخياري، مرجع سابق ص 243