وهذا يعني أنه يجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له حتى يقوم الدليل على وفاته فلا يورث ماله ولا تتزوج زوجته بل تستمر على ذمته ولا تؤخذ وديعته من مودعه، وكذا يعتبر حيا في حق غيره أي بالنسبة لبقية الورثة فيعامل في مواجهتهم بالأسوأ وذلك بمعنى أن من يسقط ويحجب بوجود المفقود لا يعطي شيئا حتى يتبين حاله ومن ينقص منهم حقه بحياته قدر فيه حياته أو موته قدر فيه موته ومن لا يختلف نصيبه سهما أعطيه وأما هو فلا يحكم له بشيء من الميراث ولكن توقف حصته منه حتى تثبت حياته أو موته فإن ثبتت حياته أعطى نصيبه وإلا أعيد توزيع نصيبه على مستحقيه من الورثة [1] .
المذهب الثاني:
ويرى أن المفقود يعتبر حيا في حق نفسه فلا توزع تركته بل تستمر على حكم ملكه إلى أن تتحقق وفاته أو يحكم القاضي بموته أو بمضي زمن التعمير وهو مائة وعشرون عاما من يوم مولده.
وأما في حق غيره فيعتبر ميتا بحيث أنه إذا مات من يرثه فلا يحتفظ له بنصيب ولا يعتد به في توزيع التركة على ورثته وإلى هذا ذهب الإمام أبو حنيفة النعمان -رحمه الله- وأصحابه [2] .
فهم يرون أن المفقود يجري عليه أحكام الأحياء فيما كان له فلا يورث ماله ولا تبين امرأته كأنه حي حقيقة وتجري عليه أحكام الأموات فيما لم يكن له فلا يرث أحدا كأنه ميت حقيقة [3] .
المذهب الثالث:
ويرى أن المفقود يعتبر حيا في حق نفسه وحق غيره مدة أربع سنين من غيابه فإذا مضت هذه المدة اعتبر ميتا في حق نفسه وحق غيره فتوزع تركته ولا يرث أحدا ممن يرثهم، وإلى هذا ذهب الإمام أحمد بن حنبل -رحمه الله تعالى- حيث نراه يفرق بين الغائب في حالة الهلاك وهو من يفقد في مهلكه كالذي يفقد بين الصفين وقد هلك جماعة أو في مركب انكسر فغرق بعض أهله فهذا ينتظر به أربع سنين فإن لم يظهر خبره قسم ماله.
وذلك على العكس في حالة الغائب الذي لم يغلب عليه الهلاك كالمسافر لتجارة أو طلب العلم فهذا فيه روايتان -عند الحنابلة- أحداهما أنه لا يقسم ماله حتى بتيقن موته أو
(1) راجع: مغني المحتاج 2/ 26 وكشاف القناع 4/ 393 وبداية المجتهد 2/ 52 والمغني مع الشرح الكبير 7/ 207 وحاشية ابن عابدين 3/ 331 وشرح الدرديري 4/ 477.
(2) راجع: الهداية 2/ 182 وكشاف القناع 4/ 393 وفتح القدير 4/ 444.
(3) راجع: بداية الصنائع 6/ 196.