فهرس الكتاب

الصفحة 52 من 94

ونوقش هذا:

يقول المثبتين لحجية الاستصحاب مطلقا لا نسلم لكم أن الدليل إنما دل على ثبوت الحكم فقط ولم يدل على بقائه في الزمن الثاني والبرهان على ذلك صحة النقل عن كل واحد من أن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قد أتانا بهذا الدين.

وذلك أنه آخر الأنبياء والمرسلين وأن دينه هذا لكل حي ولكل من يولد إلى يوم القيامة في جميع الأرض فصح أنه لا معنى لتبدل الزمان أو المكان أو لتغير الأحوال وإن ما ثبت فهو ثابت أبدا في كل زمان ومكان وفي كل الأحوال والإلزام أن يقيم الدليل على الأحكام في كل وقت وحين بناء على أن الدلالة قد ثبتت بالنص في الزمن الأول وليس هناك ما يبقيها في الزمن الثاني [1] .

فالحق أن البقاء هو استمرار للوجود وعد زواله أي ليس معنى زائدا على وجود الشيء حقيقة بل اعتبارا [2] .

المبحث الثالث

"الترجيح"

بعد عرض آراء العلماء في حجية الاستصحاب ومن خلال مناقشة أدلة كل فريق وإمعان النظر فيها نخلص إلى أن الراجح هو مذهب الجمهور القائل بأن الاستصحاب حجة مطلقا وذلك لقوة أدلته وسلامتها عن المعارضة خاصة وأنها قد تنوعت مداركها وتعددت مصادرها فهي من الكتاب الكريم والسنة النبوية المطهرة والإجماع والعقل والاستقراء وذلك بعكس ما استند إليه خصومهم.

هذا فضلا عن أن الأخذ بالاستصحاب مما تقضي به الفطرة السليمة وتؤيده تصرفات الناس وأعمالهم، أي أن البداهة تؤيد حجية الاستصحاب لأنه ليس لأحد أن يدعى أن فلانا مباح الدم لارتداده إلا إذا قام الدليل على ردته إذ الأصل حرمه دمه أو أن فلانا العدل فسق إلا إذا قام الدليل على فسقه لأن العدل إذا ثبت صار صفة مستمرة بأخذ حكمها حتى يثبت نقيضها وهو الفسق وإذا ثبت أن فلانا حي لا يحكم بموته إلا إذا قام الدليل على وفاته وإذا ثبت أن فلانا مالك لعين فلا تزول الملكية إلا بدليل، وكذلك إذا ثبت أن فلانا زوج لامرأة فالبداهة توجب الحكم بالزوجية حتى يثبت الطلاق.

وعلى هذا: فالبداهة تحكم بالاستصحاب وأن مقررات النقول من ناحية وجود الأشياء

(1) راجع: الأحكام لابن حزم 5/ 605.

(2) راجع: حاشية الرهاوي 2/ 797.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت