فهرس الكتاب

الصفحة 462 من 868

"هو مأمور بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر، بحيث لا يتطرق إليه تهمة في تغييره. وأما إذا عمد إلى رجل مع زوجته وأمته قط، ففرق بينهما، وزعم أنه طلق وأعتق. فإنه ينسب ظاهراً إلى تغيير المعروف بالمنكر، وتطرق الناس إلى اتهامه والوقوع في عرضه. وهل يسوغ للحاكم أن يأتي إلى رجل مستور بين الناس، غير مشهور بفاحشة، وليس عليه شاهد واحد بها، فيرجمه، ويقول: رأيته يزني؟ أو يقتله ويقول: سمعته يسب؟ أو يفرق بين الزوجين، ويقول: سمعته يطلق؟ وهل هذا إلا محض التهمة؟ ولو فتح هذا الباب ـ ولا سيما لقضاة الزمان ـ (أي زمان ابن القيم) لوجد كل قاض له عدوٌّ السبيلَ إلى قتل عدوه ورجمه وتفسيقه، والتفريق بينه وبين امرأته، ولا سيما إذا كانت العداوة خفية، لا يمكن عدوه إثباتها، وحتى لو كان الحق هو حكم الحاكم بعلمه، لوجب منع قضاة الزمان من ذلك. وهذا إذا قيل في شريح، وكعب بن سوار، وإياس بن معاوية، والحسن البصري، وعمران الطلحي، وحفص بن غياث، وأضرابهم: كان فيه ما فيه" [1]

وأما حديث خزيمة بن ثابت:

"فَأَقْبَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ «بِمَ تَشْهَدُ» . فَقَالَ بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ" [2]

قال المخالف: لا وجه للاستدلال به لأنه لم يثبت أن الرسول صلى الله عليه وسلم حكم لنفسه، إذ ليس في الحديث ما يدل على أنه أخذ الفرس قهراً من الأعرابي.

أما القول: إن القضاء بالعلم أولى من القضاء بالظن المستفاد عن الشهادة:

قال المخالف: أصل النزاع في تصديق القاضي في ادعائه العلم بالواقعة المعروفة أمامه. واحتمال صدقه في ذلك أمر مظنون، والظن في صدق الشهود أقوى من الظن في صدق القاضي لزيادة عددهم. كذلك فإنهم في هذا القول قد بنوا على استدلالهم على أن حكم القاضي المنسوب إلى علمه، لا بد وأن يكون موافقاً لما تحققه وقطع به وهذا غير مسلم، لأن الحكم المنسوب إلى علم القاضي كما يحتمل أن يكون موافقاً لما تحققه وقطع به يحتمل أيضاً أن يكون بخلاف ذلك لمؤثر من المؤثرات. وعلى هذا يكون ما افترضوه من أن حكم القاضي المنسوب إلى علمه يكون موافقاً لما تحققه وقطع به ترجيح بلا مرجح.

أما قبول اعتماد القاضي على علمه في الجرح والتعديل فإن ذلك ليس بحكم كما ذهب إليه كثير من العلماء، إذ يجوز لغيره العمل بخلافه ولو كان حكماً لما ساغ ذلك. لأن نقض الحكم من غير سبب شرعي لا يصح وإذا لم يكون ذلك حكماً لم يجز القياس عليه.

وأما الرد علي من يفرق بين القضاء في الحدود والقضاء في غيرها بحيث لا يجيز للقاضي أن يحكم بعلمه في الحدود ويجيز له أن يحكم بعلمه في حقوق العباد الخالصة أو المشتركة؛ فإن هذه التفرقة غير مسلم بها لأن التهمة إذا كانت متصورة في الحدود فهي متصورة أيضاً فيما عداها إذ من الجائز أن يتواطأ القاضي مع المدعي أو مع خصم المتهم.

(1) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص154.

(2) أبو داود: الحديث رقم 3609.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت