فهرس الكتاب

الصفحة 461 من 868

أما حديث هند بت عتبة:"عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ هِنْدَ بِنْتَ عُتْبَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ شَحِيحٌ، وَلَيْسَ يُعْطِينِى مَا يَكْفِينِى وَوَلَدِى، إِلاَّ مَا أَخَذْتُ مِنْهُ وَهْوَ لاَ يَعْلَمُ فَقَالَ «خُذِى مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ" [1]

أجاب المخالف:

قال ابن القيم:"وهذا الاستدلال ضعيف جداً. فإن هذا إنما هو فتيا من رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا حكم. ولهذا لم يحضر الزوج، ولم يكن غائباً عن البلد، والحكم على الغائب عن مجلس الحكم الحاضر في البلد غير ممتنع وهو يقدر على الحضور ولم يوكل وكيلاً، لا يجوز اتفاقاً. وأيضاً فإنها لم تسأله الحكم، وإنما سألته (هل يجوز لها أن تأخذ ما يكفيها ويكفي بنيها) وهذا استفتاء محض، فالاستدلال به على الحكم سهو" [2]

وقال الشوكاني:"ومن جملة ما استدل به البخاري على الجواز حديث هند زوجة أبي سفيان لما أذن لها النبي صلى الله عليه وسلم أن تأخذ من ماله ما يكفيها وولدها. قال ابن بطال: احتج من أجاز للقاضي أن يحكم بعلمه بهذا الحديث لأنه إنما قضى لها ولولدها بوجوب النفقة لعلمه بأنها زوجة أبي سفيان، ولم يلتمس على ذلك بينة. وتعقبه ابن المنير بأنه لا دليل فيه لأنه خرج مخرج الفتيا وكلام المفتي يتنزل على تقدير صحة كلام المستفتي، انتهى. فإن قيل إن محل الدليل إنما هو عمله بعلمه أنها زوجة أبي سفيان فكيف صح هذا التعقب. فيجاب بأن الذي يحتاج إلى معرفة المحكوم له هو الحكم لا الإفتاء، فإنه يصح للمجهول، فإذا ثبت أن ذلك من قبيل الإفتاء بطلت دعوى أنه حكم بعلمه أنها زوجة. وقد تعقب الحافظ (أي ابن حجر) كلام ابن المنير فقال: وما ادعى نفيه بعيد، فإنه لو لم يعلم صدقها لم يأمرها بالأخذ، واطلاعه على صدقها ممكن بالوحي دون سواه، فلا بد من سبق علم. ويجاب عن هذا بأن الأمر لا يستلزم الحكم؛ لأن المفتي يأمر المستفتي بما هو الحق لديه وليس ذلك من الحكم في شيء" [3]

وأما حديث أبي سعيد الخدري:

"سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [4] "

أجاب المخالف: فليس في هذا الحديث ما يدل صراحة أو ضمناً على تجويز القضاء بالعلم، وغاية ما تضمنه الحث على الجهر بالحق دون اعتبار لأحد هذا إنما يتصور فيما يعلم الناس أنه حق، ولكن لا يجرءون على التصريح به خوفاً مما قد يلحقهم من وراء ذلك. وهذا بخلاف ما ينفرد القاضي بعلمه، فإنه لا يدري أحكم بحق أم بباطل فيكون عرضة للاتهام.

قال ابن القيم:

(1) البخاري: الحديث رقم 5364.

(2) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص152.

(3) الشوكاني ـ نيل الأوطار ـ ج6 ص348.

(4) مسلم: الحديث رقم 186.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت