هذا حديث ضعيف فقد:"أعله ابن حزم بأبي يحيى وهو مصدع المعرقب، كذا قال ابن عساكر، وتعقبه المزي بأنه وهم بل اسمه زياد كذا اسمه عند أحمد والبخاري وأبي داود في هذا الحديث. وأعله أبو حاتم برواية شعبة عن عطاء بن السائب عن البختري بن عبيد. ثم إن النبي لم يقض بعلمه وإنما بالوحي يدل على ذلك ما ذكره الشوكاني في بعض الروايات: وفي رواية لأحمد فنزل جبريل عليه السلام على النبي صلى الله عليه وسلم فقال إنه كاذب إن له عنده حقه فأمره أن يعطيه وكفارة يمينه معرفة لا إله إلا الله" [1]
وأما الإستدلال بحديث (بينتك أو يمينه) :
أجاب المخالف:"فإن البينة اسم لما يبين الحق بحيث يظهر المحق من المبطل، ويبين ذلك للناس، وعلم الحاكم ليس ببينة" [2]
كما أن هذا الحديث لا يصلح أن يكون حجة على محل النزاع، لأن بعض رواياته لم يرد فيها لفظ بينة، فقد ورد في مسند أحمد:"عَنِ الأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ رَجُلاً مِنْ كِنْدَةَ وَرَجُلاً مِنْ حَضْرَمَوْتَ اخْتَصَمَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فِى أَرْضٍ بِالْيَمَنِ فَقَالَ الْحَضْرَمِىُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضِى اغْتَصَبَهَا هَذَا وَأَبُوهُ. فَقَالَ الْكِنْدِىُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرْضِى وَرِثْتُهَا مِنْ أَبِى. فَقَالَ الْحَضْرَمِىُّ يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَحْلِفْهُ إِنَّهُ يَعْلَمُ أَنَّهَا أَرْضِى وَأَرْضُ وَالِدِى وَالَّذِى اغْتَصَبَهَا أَبُوهُ. فَتَهَيَّأَ الْكِنْدِىُّ لِلْيَمِينِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «إِنَّهُ لاَ يَقْتَطِعُ عَبْدٌ - أَوْ رَجُلٌ - بِيَمِينِهِ مَالاً إِلاَّ لَقِىَ اللَّهَ يَوْمَ يَلْقَاهُ وَهُوَ أَجْذَمُ» . فَقَالَ الْكِنْدِىُّ هِىَ أَرْضُهُ وَأَرْضُ وَالِدِهِ" [3]
أما استدلالهم بحديث سعد بن الأطول: عَنْ أَبِى نَضْرَةَ عَنْ سَعْدِ بْنِ الأَطْوَلِ أَنَّ أَخَاهُ مَاتَ وَتَرَكَ ثَلاَثَمِائَةِ دِرْهَمٍ وَتَرَكَ عِيَالاً فَأَرَدْتُ أَنْ أُنْفِقَهَا عَلَى عِيَالِهِ فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إنَّ أَخَاكَ مَحْبُوسٌ بِدَيْنِهِ فَاقْضِ عَنْهُ» . فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَدْ أَدَّيْتُ عَنْهُ إِلاَّ دِينَارَيْنِ ادَّعَتْهُمَا امْرأَةٌ وَلَيْسَ لَهَا بَيِّنَةٌ. قَالَ «فَأَعْطِهَا فَإِنَّهَُا مُحِقَّة"ٌ [4] أجاب المخالف: لا وجه للاحتجاج به لأنه ليس في محل النزاع، إذ المرأة لم تطلب منه أن يحكم لها بالدينارين، وإنما استفتى الرجل الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أودعته فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بإعطائها احتياطاً وإبراء لذمة الميت. فهذا الحديث من قبيل الفتيا وليس من باب القضاء بالعلم. ومع التسليم بأنه عليه السلام حكم لها بعلمه فإنه لا يصح الاستدلال به، لأن المنع من القضاء بالعلم إنما هو لأجل التهمة وهي منقبة في حقه صلى الله عليه وسلم."
قال في الطرق الحكمية:"فإن المنع من حكم الحاكم بعلمه إنما هو لأجل التهمة وهي معلومة الانتفاء من سيد الحكام صلى الله عليه وسلم" [5]
(1) الشوكاني ـ نيل الأوطار ـ ج6 ص349.
(2) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص153.
(3) أحمد: المسند الحديث رقم 22487.
(4) أحمد: مسند أحمد الحديث رقم 20609.
(5) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص152.