(ب) مناقشة أدلة المدرسة الثانية:
أجيب على ما استدل به أنصار المدرسة الثانية على جواز أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي، أن قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [1]
أجاب المخالف: لا دلالة فيه على جواز القضاء بالعلم وذلك لأن القاضي إنما لم يحكم للمظلوم لأنه لم يأت بحجة يستند القاضي عليها في حكمه. فالحاكم معذور إذ لا حجة معه يوصل بها صاحب الحق لحقه. وفي هذه الحالة لا يكون ممتنعاً من القيام بالقسط.
أما استدلالهم بآيتي الزنا والسرقة: (2) كما احتجوا بقوله تعالى:
(الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [2] (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [3]
أجاب المخالف: إن آيتي الزنا والسرقة إنما نزلتا لبيان العقوبة الواجبة على من ارتكب هذين الفعلين لا لبيان الطرق التي يحكم بها الحاكم.
وأما استدلالهم بحديث أبي سعيد الخدري:
سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [4]
أجاب المخالف: هذا لا يدل على جواز الحكم بالعلم ذلك لأنه أمر بتغيير ما يعلم الناس أنه منكر بحديث لا يتطرق إلى المغير تهمة في ذلك. أما أن يعمد القاضي إلى رجل مستور لم تقم أدلة على ارتكابه منكراً فيرجحه، ويقول رأيته يزني، أو يقطع يده، ويقول رايته يسرق فإن ذلك يؤدي إلى تطرق التهمة إليه والتشكك في الدوافع التي حدت به إلى ذلك، وإن فتح هذا الباب يفضي إلى أن يجد كل قاض السبيل مهيئاً لقتل عدوه، أو التشهير به خاصة إذا كانت العداوة خفية، لا يتمكن المقضي عليه من إثباتها فلم يجز بهذا الحديث على إطلاقه. وفضلاً عن ذلك فإن تغيير المنكر ليس من القضاء وإنما هو من باب الحسبة.
وأما استشهادهم بحديث: أبي هريرة قال:"جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمدعي أقم البينة فلم يقمها. فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عندك، ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك" [5]
أجاب المخالف:
(1) النساء: آية 135.
(2) النور: آية 2.
(3) المائدة: آية 38.
(4) مسلم: الحديث رقم 186.
(5) الشوكاني: نيل الأوطار ـ تحقيق أنور الباز ـ دار الوفاء ـ المنصورة ـ مصر ـ ج6 ص349.