أدلة القائلين بهذا الرأي:
(1) ما أخرجه أبو حنيفة في مسنده: من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ادرءوا الحدود بالشبهات) [1] فهذا الحديث تلقته الأمة بالقبول وأجمع على العمل به فقهاء الأمصار، وعلم القاضي لا يورث الاطمئنان عند الكافة خصوصاً فيما يعلق بحق الله الذي تطالب به الكافة ويورث شبهة عند الناس، ومن أجل ذلك لا يقضي بعلمه الشخصي.
(2) ما أخرجه مسلم من أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في قصة الملاعنة: قَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَوْ كُنْتُ رَاجِمًا أَحَدًا بِغَيْرِ بَيِّنَةٍ لَرَجَمْتُهَا» [2]
وجه الدلالة من هذا الحديث أنه أفاد منع القاضي من القضاء بعلمه في الزنا، وعدوا هذا الحكم إلى سائر الحدود التي هي حق خالص لله بجامع أن كلا فيه حق لله تعالى، وحقوق الله مبنية على المساهمة، ولأن الحدود حقوق خالصة لله تعالى والقاضي خصم فيها إذ ليس من يطالب بها فتلحقه التهمة إذا استوفاها بعلمه الشخصي بخلاف حقوق الآدميين، فإن صاحب الحق يطالب بها، ومن ثم فالتهمة منتفية عن القاضي إذا حكم فيها بعلمه.
(3) وما أخرجه البيهقي: عن أبي بكر:"لَوْ وَجَدْتُ رَجُلاً عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لَمْ أَحُدَّهُ أَنَا وَلَمْ أَدْعُ لَهُ أَحَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعِى غَيْرِى" [3]
فمفهوم كلام أبي بكر أنه لا يقضي بعلمه في الحدود خاصة لأن قوله على حد يفهم منه أنه لو رآه على غير حد لحكم عليه بمقتضى علمه الشخصي.
(1) قال ابن حجر العسقلاني:"حديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) الترمذي من حديث عائشة بلفظ (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان لها مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة) وفيه يزيد بن زياد وهو ضعيف. قال الترمذي ووقفه أصح وأخرجه الحاكم والدار قطني والبيهقي وقال الموقوف أقرب إلى الصواب وفي الباب عن علي مختصرا ادرءوا الحدود أخرجه الدار قطني وعن أبي هريرة (ادرءوا الحدود ما استطعتم) أخرجه أبو يعلى ولابن ماجة من هذا الوجه ادفعوا الحدود ما وجدتم لها مدفعا"ابن حجر: الدراية في تخريج أحاديث الهداية ـ تحقيق السيد عبد الله هاشم اليماني ـ دار المعرفة ـ بيروت ـ ج2ص94، ص95. وقد تتبع الزيلعي الروايات المختلفة لحديث (ادرءوا الحدود بالشبهات) فقال: أما حديث عاشة: فأخرجه الترمذي عن محمد بن يزيد بن زياد عن الزهري عن عروة عن عائشة قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فإن كان لها مخرج فخلوا سبيله فإن الإمام إن يخطىء في العفو خير من أن يخطىء في العقوبة) انتهى. قال الترمذي: هذا حديث لا نعرفه مرفوعاً إلا من حديث محمد بن ربيعة عن يزيد بن زياد الدمشقي عن الزهري، ويزيد بن زياد ضعيف في الحديث؛ ورواه وكيع عن يزيد بن زياد، ولم يرفعه، وهو أصح، ثم أخرجه عن وكيع عن يزيد به موقوفاً، انتهى. ورواه الحاكم في (المستدرك) وقال: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه؛ وثقه الذهبي في (مختصره) ، فقال: يزيد بن زياد، قال فيه النسائي: متروك، انتهى. وقال الترمذي في (علله الكبير) : قال محمد بن إسماعيل: يزيد بن زياد منكر الحديث، ذاهب، انتهى. ورواه الدارقطني، ثم البيهقي في سننيهما مرفوعاً؛ وقال البيهقي: الموقوف أقرب إلى الصواب.
وأما حديث علي: فأخرجه الدارقطني في (سننه) عن مختار التمار عن أبي مطر عن علي: قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (ادرءوا الحدود) ، انتهى. ومختار التمار ضعيف.
وأما حديث أبي هريرة: فرواه أبو يعلى الموصلي في (مسنده) حدثنا إسحاق عن أبي إسرائيل ثنا وكيع حدثني إبراهيم بن الفضل المخزومي عن سعيد المقبري عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ادرءوا الحدود ما استطعتم) ، انتهى. ورواه ابن ماجه في (سننه) حدثنا عبد الله بن الجراح ثنا وكيع به مرفوعاً: (ادرءوا الحدود ما وجدتم لها مدفعاً) ، انتهى"الزيلعي: نصب الراية لأحاديث الهداية ـ تحقيق أيمن صالح ـ دار الحديث ـ القاهرة ـ ط1 ـ 1415هـ ج4 ص97، ص98."
(2) مسلم: الحديث رقم 3833.
(3) البيهقي: السنن الكبرى الحديث رقم 21009.