(4) يحتج أصحاب هذا الاتجاه بأن الحدود حق خالص لله يستوفيها القاضي على سبيل النيابة:"ولأن الحدود التي هي من خالص حق الله تعالى يستوفيها الإمام على سبيل النيابة من غير أن يكون هناك خصم يطالب به من العباد فلو اكتفى بعلم نفسه في الإقامة ربما يتهمه بعض الناس بالجور والإقامة بغير حق وهو مأمور بأن يصون نفسه عن ذلك وهذا بخلاف القصاص وحد القذف وغير ذلك من حقوق الناس لأن هناك خصم يطالب به من العباد وبوجوده تنتفي التهمة عن القاضي فكان مصدقا فيما زعم أنه رأى ذلك" [1]
وقد احتجوا على جواز الحكم في حقوق الآدميين بالعلم الشخصي للقاضي بذات الأدلة التي احتج بها من رأى الجواز المطلق في الحدود وغيرها.
الاتجاه الثالث:
(لا يجوز أن يحكم القاضي بعلمه في الحدود الخالصة لله سواء قبل وبعد ولايته أو في زمن ولايته) :
يرى أنصار هذا الرأي أنه لا يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه في الحدود الخالصة لله سواء علم ذلك قبل الولاية أو بعدها في محل ولايته أو في غيرها:"فأما حد القذف والقصاص وغير ذلك من حقوق الناس والرجوع فيه بعد الإقرار باطل وللقاضي أن يلزمه ذلك بإقراره فكذلك له أن يلزمه بمعاينته سبب ذلك لأن معاينته السبب أقوى في إفادة العلم من إقرار المقربة وهذا إذا رأى ذلك في مصره الذي هو قاض فيه بعد ما قلد القضاء. فأما إذا كان رأى ذلك قبل أن يتقلد القضاء ثم استقضي فليس له أن يقضي بعلمه في ذلك عند أبي حنيفة" [2]
وخالفه أبو يوسف ومحمد إذا قالا:"له أن يقضي بعلمه في ذلك لأن علمه بمعاينة السبب لا يختلف بما بعد أن يستقضى وقبله وهو أقوى من العلم الذي يحصل له بشهادة الشهود فإن معاينة السبب تفيده علم اليقين وشهادة الشهود لا تفيده ذلك فإذا جاز له أن يقضي بشهادة الشهود عنده فلان يجوز له أن يقضي بعلم نفسه أولى" [3]
وعلى أية حال فالاتجاه الثالث هو اتجاه أبي حنيفة مستنداً في ذلك إلى نفس الأدلة التي احتج بها الاتجاه الأول، ووجه التفرقة عنده بين ما عليه بعد ولايته، وفي المصر الذي وكل إليه قضاءه، وبين ما علمه في غير ذلك أن علمه الحادث له في زمن القضاء علم في وقت هو مكلف فيه بالقضاء، فأشبه البينة القائمة فيه. والعلم الحاصل في غير زمن القضاء حاصل في وقت هو غير فيه بالقضاء، فلم يكن في معنى البينة، فلم يجز القضاء به.
الخلاصة: هاتان هما المدرستان اللتان تنازعتا الحكم في مسألة مدى جواز أن يقضي القاضي بعلمه الشخصي فيما يعرض عليه من قضايا، ولكي تكتمل الصورة كلها بأبعادها
(1) السرخسي: المبسوط ـ مج8 ـ ج16 ص91.
(2) السرخسي: المبسوط ـ مج8 ـ ج16 ص92.
(3) السرخسي: السابق ـ مج8 ـ ج16 ص92.