فهرس الكتاب

الصفحة 453 من 868

الْفَرَسَ وَإِلاَّ بِعْتُهُ. فَقَامَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- حِينَ سَمِعَ نِدَاءَ الأَعْرَابِىِّ فَقَالَ «أَوَلَيْسَ قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» . فَقَالَ الأَعْرَابِىُّ لاَ وَاللَّهِ مَا بِعْتُكَهُ. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «بَلَى قَدِ ابْتَعْتُهُ مِنْكَ» . فَطَفِقَ الأَعْرَابِىُّ يَقُولُ هَلُمَّ شَهِيدًا. فَقَالَ خُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَنَا أَشْهَدُ أَنَّكَ قَدْ بَايَعْتَهُ. فَأَقْبَلَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- عَلَى خُزَيْمَةَ فَقَالَ «بِمَ تَشْهَدُ» . فَقَالَ بِتَصْدِيقِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- شَهَادَةَ خُزَيْمَةَ بِشَهَادَةِ رَجُلَيْنِ" [1] "

وجه الدلالة: أن النبي صلى الله عليه وسلم قد حكم بعلمه، وإذا كان الحكم بالعلم للنفس جائزاً فإنه يجوز للغير من باب أولى لأن ذلك أبعد عن التهمة.

(9) ويستند أنصار هذا الاتجاه إلى القول بأن القاضي يحكم بالشاهدين وهذا حكم بغلبة الظن، وإذا جاز له الحكم بغلبة الظن فحكمه بما تحققه وقطع به أولى، وذلك لأن العلم أقوى دلالة من الظن المستفاد من شهادة الشهود أو الإقرار. كذلك فإن القاضي يحكم بعلمه في تعديل الشهود وجرحهم، وعلى هذا يجوز له الحكم بعلمه في ثبوت الحق وعلمه، فالتزكية حاصلة لحاكم بتوليته الحكم، فلا وجه للتهمة وسوء الظن به، ولذا انعقد الإجماع على جواز حكمه بعلمه في تعديل الشهود وتجريحهم فكذا هذا، إذ لا وجه للتفرقة، وقبول حكمه بمقتضى علمه في البعض، ورده في البعض الآخر من غير دليل يدل ذلك على تحكم ظاهر.

الاتجاه الثاني:

(يجوز أن يحكم القاضي بعلمه في حقوق العباد الخالصة أو المشتركة بين حقوق الله وحقوق العباد) :

يرى أنصار هذا الرأي أنه يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه في حقوق الآدميين الخالصة وفيما هو مشترك بين الله وبين العبد، سواء علم هذا زمان ولايته أو قبلها في البلد الذي ولي قضاءها أو في غيرها. أما إذا كان حقاً خالصاً لله تعالى كحد الزنا والشرب والسرقة وقطع الطريق فلا يجوز أن يقضي فيه بعلمه الشخصي. ويمثل هذا الاتجاه أبو يوسف ومحمد في رواية عنه وبعض الشافعية والشيعة الزيدية. قال الشوكاني عن رأي الشيعة الزيدية: لهم روايتان يقضي بعلمه والثانية لا يقضي بعلمه كما ذكر الشوكاني"قد حكى في البحر عن الإمام يحيى وأحد قولي المؤيد بالله" [2]

يقول السرخسي:"وإذا رأى القاضي وهو في مجلس القضاء أو غيره رجلا يزني أو يسرق أو يشرب الخمر ثم رفع إليه فله أن يقيم عليه الحد في القياس لأنه تيقن باكتسابه السبب الموجب للحد عليه والعلم الذي استفاده بمعاينة السبب فوق العلم الذي يحصل له بشهادة الشهود، لأن ذلك محتمل الصدق والكذب. وفي الاستحسان لا يقيم عليه الحد" [3]

(1) أبو داود: الحديث رقم 3609.

(2) الشوكاني: نيل الأوطارـ ج6 ص350.

(3) السرخسي: المبسوط ـ تحقيق الشيخ خليل الميس ـ دار الفكر ـ بيروت ـ ط1 ـ 1421هـ ـ مج8 ـ ج16 ص91.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت