الاتجاه الثالث: يقضي القاضي بعلمه الشخصي على ما علمه في زمان الولاية في مصرها وذلك فيما عدا الحقوق الخالصة لله تعالى فهذه لا يجوز له أن يقضي فيها بعلمه.
نشرع الآن في تفصيل هذه الاتجاهات على النحو التالي:
الاتجاه الأول:
(جواز قضاء القاضي بعلمه في سائر الحقوق)
يذهب إلى جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي في سائر الحقوق سواء ما كان منها حقاً خالصاً لله تعالى كالحدود أو حقاً خالصاً للعبد كالأموال أو حقاً مشتركاً كالقصاص وحد القذف، علم بذلك في زمان ولايته أو قبله، في مصره الذي يقضي فيه أو في غيره، وهذا هو اتجاه الشافعي في المشهور عنه، وبعض المالكية، وأحمد في رواية عنه، وأهل الظاهر والشيعة الإمامية في الصحيح من مذهبهم.
وفي فقه الإمامية؛ قال الحلي:"الإمام عليه السلام يقضي بعلمه مطلقاً، وغيره من القضاة يقضي بعلمه في حقوق الناس" [1]
أما إذا كان الحق خالصاً لله تعالى كالحدود فإن هناك روايتين لغير الإمام من القضاة كما قال في شرائع الإسلام:"وفي حقوق الله سبحانه، على قولين أصحهما القضاء. ويجوز له أن يحكم في ذلك كله من غير حضور شاهد يشهد الحكم"
قال ابن قدامة في تعليقه على مسألة الخرقي (لا يحكم الحاكم بعلمه) أن هناك رواية أخرى عن أحمد أي يجوز للحاكم أن يقضي بعلمه:"وعن أحمد رواية أخرى يجوز له ذلك وهو قول أبي ثور" [2]
يقول ابن حزم:"وفرض على الحاكم أن يحكم بعلمه في الدماء والقصاص والأموال والفروج والحدود وسواء علم ذلك قبل ولايته أو بعد ولايته وأقوى ما حكم بعلمه لأنه يقين الحق ثم بالإقرار ثم بالبينة" [3]
أدلة القائلين بهذا الرأي:
(1) قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) [4]
وجه الدلالة في هذه الآية أن الله سبحانه وتعالى أمر المؤمنين عامة بالقوامة وبالقسط، والحاكم من جملتهم، وليس من القسط أن يعلم الحاكم أن أحد الخصمين مظلوم والآخر
(1) الحلي: شرائع الإسلام ـ مؤسسة الوفاء ـ بيروت ـ ط3 ـ 1403هـ ـ ص86.
(2) ابن قدامة: المغني ـ ج11 ص400.
(3) ابن حزم: المحلى بالآثار ـ تحقيق دكتور عبد الغفار سليمان البنداري ـ دار الكتب العلمية ـ بيروت ـ ج8 ـ ص523.
(4) النساء: آية 135.