فهرس الكتاب

الصفحة 451 من 868

ظالم ويترك كلاً منهم على حاله. فمن واجب الإنسان أن يقيم العدل حسب مقدرته، وليس من العدل في شئ أن يعلم القاضي بحق على شخص لله تعالى أو لإنسان ثم لا يستوفي منه هذا الحق.

يقول صاحب المحلى:"وليس من القسط أن يترك الظالم على ظلمه لا يغيره، وأن يكون الفاسق يعلن الكفر بحضرة الحاكم والإقرار بالظلم والطلاق ثم يكون الحاكم يقره مع المرأة ويحكم لها بالزوجية والميراث فيظلم أهل الميراث حقهم" [1]

(2) كما احتجوا بـ: (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ) [2] (وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) [3]

وجه الدلالة من هاتين الآيتين أنهما أو جبتا على من علم أن شخصاً ارتكب الأسباب الموجبة للزنا والسرقة أن يقيم الحد عليه إذا كان ممن يملك إقامتها، والقاضي بحكم مركزه له ولاية إقامة الحدود فكان مأموراً بذلك، وإذا كان له أن يقضي بعلمه في الحدود كما يفهم من هاتين الآيتين، فله أن يقضي بعلمه في الحقوق الخالصة للعباد أو المشتركة كالأموال والقصاص.

(3) يستندون إلى حديث أبي سعيد الخدري:

سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِلِسَانِهِ فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِقَلْبِهِ وَذَلِكَ أَضْعَفُ الإِيمَانِ» [4]

وجه الدلالة من هذا الحديث أن فيه أمراً لك مسلم بتغيير كل منكر يقدر على تغييره، والقاضي يدخل في عموم هذا الحديث دخولاً أولياً، ومن المنكر الذي لا أشد منه أن يترك من رآه يرتكب ما حرم الله بحجة أنه لم تقم عليه عنده بينة، مع أنه قادر على تغيير ذلك، فعدم تجويز القضاء بالعلم إهدار لهذا الحديث الشريف.

قال ابن حزم:"والحاكم إن لم يغير ما رأى من المنكر حتى تأتي البينة على ذلك فقد عصى رسول الله صلى الله عليه وسلم" [5]

فصح أن فرضا عليه أن يغير كل منكر علمه بيده وأن يعطي كل ذي حق حقه وإلا فهو ظالم

(4) ما أخرجه الحاكم من حديث عطاء بن السائب عن ابن أبي يحيى بن الأرج عن أبي هريرة قال:"جاء رجلان يختصمان إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال للمدعي أقم البينة فلم يقمها. فقال للآخر: احلف، فحلف بالله الذي لا إله إلا هو ماله عنده شئ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بل هو عندك، ادفع إليه حقه، ثم قال شهادتك أن لا إله إلا الله كفارة يمينك" [6]

(1) ابن حزم: المحلى ـ ج8 ص526.

(2) النور: آية 2.

(3) المائدة: آية 38.

(4) مسلم: الحديث رقم 186.

(5) ابن حزم: المحلى ـ ج8 ص 527.

(6) الشوكاني: نيل الأوطار ـ ج8 ص241.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت