فهرس الكتاب

الصفحة 449 من 868

عَنِ ابْنِ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ قَالَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ: لَوْ وَجَدْتُ رَجُلاً عَلَى حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ لَمْ أَحُدَّهُ أَنَا وَلَمْ أَدْعُ لَهُ أَحَدًا حَتَّى يَكُونَ مَعِى غَيْرِى" [1] "

وجه الدلالة: أن هذا نص صريح في أن أبا بكر لا يرى جواز قضاء القاضي بعلمه الشخصي.

(ح) "عَنْ عِكْرِمَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ: أَرَأَيْتَ لَوْ رَأَيْتَ رَجُلاً قَتَلَ أَوْ سَرَقَ أَوْ زَنَى. قَالَ: أَرَى شَهَادَتَكَ شَهَادَةَ رَجُلٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: أَصَبْتَ" [2]

وجه الدلالة أن هذا نص صريح عن عمر أنه لا يجوز له أن يقضي بعلمه الشخصي.

يقول ابن القيم في التعليق على الخبرين السابقين:"وهذا من كمال فقه الصحابة رضي الله عنهم، فإنهم أفقه الأمة وأعلمهم بمقاصد الشرع وحكمه. فإن التهمة مؤثرة في باب الشهادات والأقضية، وطلاق المريض وغير ذلك/ فلا تقبل شهادة السيد لعبده، ولا العبد لسيده، ولا شهادة الوالد لوده، وبالعكس، ولا شهادة العدو على عدوه. ولا يقبل حكم الحاكم لنفسه. ولا ينفذ حكمه على عدوه. ولا يصح إقرار المريض مرض الموت لوارثه ولا الأجنبي، عند مالك إذا قامت شواهد التهمة. ولا تمنع المرأة الميراث بطلاقه لها لأجل التهمة، ولا يقبل قول المرأة على ضرتها أنها أرضعتها ـ إلى أضعاف ذلك مما يرد ولا يقبل للتهمة" [3]

(ط) وأخيراً يستند أنصار هذه المدرسة إلى القول أن قضاء القاضي بعلمه يكون كما في الدعوى بدون بينة ولا يمين. فوجب ألا يصح لأن الشرع الحكيم قد الحكم بأحدهما، ولأن تجويز قضاء القاضي بعلمه الشخصي يفضي إلى الحكم بما اشتهي، ويحيله إلى علمه! فهذا وإن كان لا يصدر إلا عمن ضعف إيمانه، ولم يراقب الله فيما يقوم به، إلا أن التفرقة بين من يتصور صدور ذلك منه، ومن لا يتصور؛ أمر يتعذر لأن العلم بخفايا النفوس خاص بالله وحده، فوجب القضاء بعدم اعتبار العلم الشخصي للقاضي سداً للذريعة.

المدرسة الثانية: يجوز للقاضي أن يحكم بعلمه:

هذه المدرسة تضم ثلاثة اتجاهات: الاتجاه الأول: يذهب إلى جواز قضاء القاضي بعلمه في سائر الحقوق سواء ما كان منها حقاً خالصاً لله أو حقاً خالصاً للعباد أو حقاً مشتركاً بينهما، علم ذلك زمان ولايته أو قبله في مصره الذي يقضي فيه أو في غيره.

والاتجاه الثاني: يرى أن القاضي لا يقضي بعلمه في الحدود التي هي حق خالص لله ويقضي بعلمه فيما عداها سواء علم هذا زمان الولاية أو قبلها في مصرها أو غيرها.

(1) البيهقي: السنن الكبرى الحديث رقم 21009.

(2) البيهقي: السابق الحديث رقم 21010.

(3) ابن القيم: الطرق الحكمية ـ ص154.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت