(ج) وحديث أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - قَالَ «إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئًا بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلاَ يَاخُذْهَا» [1]
وجه الدلالة: في هذا الحديث بين النبي صلى الله عليه وسلم إنه إنما يبني حكمه على ما سمعه من حجج الخصمين لا على مجرد علمه الشخصي.
(د) حديث الأشعث بن قيس الكندي:
"َانَ بَيْنِى وَبَيْنَ رَجُلٍ خُصُومَةٌ فِى شَىْءٍ، فَاخْتَصَمْنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم ـ فَقَالَ شَاهِدَاكَ أَوْ يَمِينُهُ" [2]
وجه الدلالة في هذا الحديث أنه قد أفاد أن الإثبات لا يكون إلا بالشاهدين أو اليمين، ودل هذا على أن علم القاضي لا يجوز القضاء به لأنه ليس واحداً منهما (الشهادة أو اليمين) .
(هـ) حديث عيسى بن مريم عليه السلام:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- «رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلاَمُ رَجُلاً يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ أَسَرَقْتَ قَالَ لاَ وَاللَّهِ الَّذِى لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ. قَالَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلاَمُ آمَنْتُ بِاللَّهِ وَكَذَّبْتُ بَصَرِى» [3]
وجه الدلالة: ففي هذا الحديث لم يعمل عيسى عليه السلام بعلمه الشخصي وقبل يمين السارق مع أنه كاذب يقيناً. فلو كان القضاء بالعلم الشخصي مشروعاً لأقام عليه حد السرقة.
(و) قصة أبي جهم بن حذافة:
عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلاَجَّهُ رَجُلٌ فِى صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوُا النَّبِىَّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ «لَكُمْ كَذَا وَكَذَا» . فَرَضُوا. فَقَالَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- «إِنِّى خَاطِبٌ الْعَشِيَّةَ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» . فَقَالُوا نَعَمْ. فَخَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «إِنَّ هَؤُلاَءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِى يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا أَرَضِيتُمْ» . قَالُوا لاَ. فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- أَنْ يَكُفُّوا عَنْهُمْ فَكَفُّوا ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ فَقَالَ «أَرَضِيتُمْ» . فَقَالُوا نَعَمْ. قَالَ «إِنِّى خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ» . قَالُوا نَعَمْ. فَخَطَبَ النَّبِىُّ -صلى الله عليه وسلم- فَقَالَ «أَرَضِيتُمْ» . قَالُوا نَعَمْ." [4] "
وجه الدلالة من هذا الحديث أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يحكم بعلمه مع أنه عرضه عليهم أول الأمر، فلو كان القضاء بمجرد العلم جائزاً لما اعتبر النبي صلى الله عليه وسلم إنكارهم ولحكم عليهم بمقتضى علمه الشخصي.
(ز) وما روي عن أبي بكر رضي الله عنه:
(1) البخاري: الحديث رقم 2680.
(2) البخاري: الحديث رقم 2670.
(3) النسائي: سنن النسائي الحديث رقم 5444.
(4) أبو داود: سنن أبي داود الحديث رقم 4536.