كأن يقصد قتل أئمة المرتدين أو القيام بما يُسمى بالانقلاب العسكري ونحو ذلك، سواء كان هذا هو قصده الابتدائي (أي عند التحاقه بالجيش) أو طرأ له هذا القصد بعد ذلك، فيتغير حكمه بحسب تغير قصده.
والدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير، ليس حديث (إنما الأعمال بالنيات) لأنه وكما سبق تفصيله في أول الباب الرابع من هذا الكتاب فإن الكفر ــ وهو هنا الكفر بسبب نصرة المرتدين في الظاهر ــ لا يرخص فيه بمجرد النية الحسنة، كَنِيَّة دعوتهم للإسلام وغيرها من أعمال البر، وإنما يُرَخّص في ذلك بنيّة خاصة وهى قصد النكاية فيهم، فهذا هو الذي ثبت جوازه بالأدلة، وقد ذكرت في أول الباب الرابع أن المعاصي لا تباح بمجرد النية الحسنة ولكن تباح أو يرخص فيها بأدلة شرعية خاصة في كل مسألة بعينها.
وعليه فالدليل على أن هذا القصد مانع من التكفير هنا: حادثة فيروز الديلمي رضي الله عنه، فإنه لما ادعى الأسود العنسي النبوة وارتد قوم من أهل اليمن واتبعوه حتى غلب على صنعاء، تظاهر فيروز الديلمي بأنه من خاصته وأنصاره واحتال حتى قتله، وبوّب البخاري لقصته بكتاب المغازي من صحيحه، وفيه قال: قال عبيد الله بن عبد الله (سألت عبد الله بن عباس عن رؤيا رسول الله صلى الله عليه وسلم التي ذَكَرَ، فقال ابن عباس: ذُكِرَ لي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: بينا أنا نائم أُرِيتُ أنه وُضعَ في يديَّ سِواران من ذهب فقطعتُهما وكرهتهما، فأُذِنَ لي فنفختُهما فطارا، فأوّلتهما كذابين يخرجان، فقال عبيد الله: أحدهما العنسي الذي قتله فيروز باليمن، والآخر مسيلمة الكذاب) (حديث 4379) . وقال ابن تيمية (ثم خرج فيروز الديلمي على الأسود العنسي فقتله، وجاء الخبر إلى رسول صلى الله عليه وسلم بقتله وهو في مرض موته، فخرج فأخبر أصحابه بذلك، وقال «قُتِلَ الأسود العنسي الليلة، قتله رجلٌُ صالح من قوم صالحين» وقصته مشهورة) (الجواب الصحيح فيمن بدّل دين المسيح) 1/ 109. وقد ذكر ابن جرير الطبري في تاريخه قصة فيروز وأنه صنع ما صنع من تظاهره باتباع العنسي لما أمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالثبات في اليمن واغتنام الفرصة لقتله، إذ كان بعض عمال النبي صلى الله عليه وسلم على اليمن قد عادوا إلى المدينة لما استشرى أمر العنسي، فقد روي الطبري بإسناده عن الضّحاك بن فيروز قال (قَدِمَ علينا وَبَرُ بن يُحَنَّس بكتاب النبي صلى الله عليه وسلم يأمرنا فيه بالقيام على ديننا والنهوض في الحرب والعمل في الأسْوَد: إما غِيَلة ً وإما مصادمةً، وأن نبلّغ عنه مَن رأينا أن عنده نجدة ً وديناً، فعمِلنا في ذلك) (تاريخ الطبري) 2/ 248، ط دار الكتب العلمية 1408هـ. وقد ذكر الطبري رحمه الله ــ في نفس الموضع السابق ــ أن فيروز ومن معه احتالوا على الأسود وأظهروا