فهرس الكتاب

الصفحة 11 من 868

وممن قال بجواز ضرب المتهم من فقهاء القانون المعاصرين يوسف علي محمود:"والذي نراه أنه يجوز ضرب المتهم إذا كان معروفًا بالفساد، فإذا أقر، فإنه يراجع حتى يقر ثانيًا دون ضرب، فإذا أقر، فإنه يؤخذ بالحق الذي أقر به" [1]

الرأي المختار:

في مقام الموازنة بين الآراء السابقة نميل إلى تأييد الرأي القائل بعدم ضرب المتهم وإن كان معروفًا بالفساد أو ما يطلق عليه أمنيا المسجل الخطر .. للأسباب التالية:

أولًا: لثبوت حديث: كُرَيْبٍ"حَدَّثَنَا أَبُو أُسَامَةَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ مَرَّ هِشَامُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ عَلَى أُنَاسٍ مِنَ الأَنْبَاطِ بِالشَّامِ قَدْ أُقِيمُوا فِى الشَّمْسِ فَقَالَ مَا شَانُهُمْ قَالُوا حُبِسُوا فِى الْجِزْيَةِ. فَقَالَ هِشَامٌ أَشْهَدُ لَسَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا" [2]

فهذا الحديث صريح في نهي وزجر الرسول صلى الله عليه وسلم عن تعذيب الناس سواء كانوا برءاء أو متهمين فكلمة (الناس) عامة تشمل كل الناس بدليل أن الصحابي هشام بن حكيم استنكر أن يعاقب الوالي هؤلاء الفلاحين من أهل الكتاب في الشمس لإجبارهم على دفع الجزية .. ولم يسأل هشام بن حكيم هل هم من أرباب السوابق أو من المماطلين في دفع الجزية؟! فبمجرد أن رآهم سأل عن شأنهم واستنكر أن يحبسوا هكذا في الشمس واعتبر أن ذلك تنوعًا من التعذيب غير الجائز شرعا فقال على الفور بصيغة الجزم أشهد أني لسمعت رسول الله يقول إن الله يعذب الذين يعذبون الناس في الدنيا.

ثانيًا: الاستشهاد بحديث عبد الله بن عمر الذي ذكر فيه قصة أمر الرسول للزبير بتعذيب عم حيي بن أخطب تبين لنا أن مصدر الرواية محمد بن إسحاق ولم يذكر هذه الرواية إلا البيهقي في سننه، مما يستبين لنا أن هذه الرواية لا تستقيم لصريح نهي الرسول عن تعذيب الناس حتى ولو في تهمة ولم يثبت أنه عذب أو ضرب أحدًا ليقر أمامه في تهمة. وعلى افتراض صحة رواية عبد الله بن عمر التي تفرد بها البيهقي عن ابن إسحاق فإن هذا الأمر قيل في زمن حرب وهو استثناء لا يجوز أن يتخذ قاعدة في ضرب أي متهم وإن كان من أرباب السوابق.

(1) يوسف علي محمود (الدكتور) : الأركان المادية والشرعية لجريمة القتل العمد وأجزيتها المقررة في الفقه الإسلامي ـ دار الفكر والنشر ـ عمان ـ ج11 ـ ص388.

(2) صحيح مسلم الحديث رقم: 6824. وفي رواية أخرى في صحيح مسلم:"حَدَّثَنِى أَبُو الطَّاهِرِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبَطِ فِى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ مَا هَذَا إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا"الحديث رقم 6826. وفي سنن أبي داود:"عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ النَّبَطِ فِى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ مَا هَذَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا". الحديث رقم 3047. وفي سنن البيهقي:"أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ أَخْبَرَنَا ابْنُ وَهْبٍ أَخْبَرَنِى يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ: أَنَّ هِشَامَ بْنَ حَكِيمٍ رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُ وَجَدَ رَجُلًا وَهُوَ عَلَى حِمْصَ يُشَمِّسُ نَاسًا مِنَ الْقِبْطِ فِى أَدَاءِ الْجِزْيَةِ فَقَالَ مَا هَذَا إِنِّى سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ -صلى الله عليه وسلم- يَقُولُ: «إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُ الَّذِينَ يُعَذِّبُونَ النَّاسَ فِى الدُّنْيَا"الحديث رقم 19205 من سنن اليهقي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت