فهرس الكتاب

الصفحة 10 من 868

أولًا: من حيث مصدر قصة ضرب سحنون لابن أبي الجواد: لقد شكك بعض العلماء في هذه الرواية حيث ذكر الونشريسي نفسه:"وأجاب بعضهم وأظنه الشيخ ابن عبد السلام، بأن هذا إنما هو من حكاية ابن الرقيق المؤرخ، وهو ليس بثقة لأنه كان شارب خمر متخلفًا فلا يقبل خبره. والحكاية وإن ذكرها بعض مؤرخي الأندلس فلعله نقلها من ابن الرقيق" [1]

ثانيًا: على افتراض صحة هذه الرواية عن سحنون فإنها توافق مذهب من يجيز ضرب المتهمين أرباب السوابق، وكانوا معروفين بالشر أو من المسجلين خطر حسب المصطلح الحديث. وقد يكون القاضي ابن أبي الجواد مشهورًا بالفساد أو أكل أموال اليتامى أو الرشوة لذا أمر سحنون بضربه. بالإضافة إلى أن الذي يقوم أو يأمر بالضرب هو القاضي وليس ضابط الشرطة أو أي جهة أخرى سرية أو علنية.

ثالثا: على افتراض صحة هذه الرواية أيضًا فإنها ليست مبررًا شرعيًا لاستعمال كل هذه القسوة حيث تصور لنا الرواية أن القاضي سحنون كان شخصًا متعنتًا قاسي القلب لدرجة أنه لم يقبل المال الذي عرضته زوجة ابن أبي الجواد لتخليص زوجها إلا بأن يقر بأن هذا مال الميت الذي كان في أمانته أو بدلًا منه!! فرواية القصة بهذه الطريقة توحي أن هناك أسبابًا شخصية أو سياسية وراء هذا التعنت من قبل القاضي سحنون قبل القاضي الحبيس ابن أبي الجواد!!

رابعًا: أشار الونشريسي إلى ندم ابن أبي الجواد وأنه كان يقول بعد موته: مالي ولابن الجواد. ويقول الآبي في تعليقه على هذه القضية:"كان سحنون أيام قضائه سجن ابن أبي الجواد في دين ترتب عليه وضربه بالسياط مدة بعد مدة واتفق أن مات ابن أبي الجواد من ضربه فكان سحنون إذا نام رأى في منامه ابن أبي الجواد بما يسوؤه، فإذا استيقظ يقول ما لي ولا أبي الجواد. فظاهر هذا أن سحنون ناله بسبب تعذيبه مع أنه إنما عذبه بحق، ولذا كان يقول له: (الحق قتله) ."

ونحن بدورنا لا نقبل هذا التبرير على افتراض صحة الرواية فالثابت أن سحنون عذب ابن أبي الجواد وأذله وتعنت معه فلذا فإنه يتحمل وزر ذلك.

خامسًا: ما فعله القاضي سحنون يخالف ما جاء في المدونة: (من أقر بعد التهديد أقيل. قال ابن القاسم فالوعيد والقيد والتهديد والسجن والضرب تهديد عندي كله وأرى أن يقال، ثم لا يقام الحد على من ضرب وهدد فأخرج القتيل أو أخرج المتاع الذي سرق إلا أنه يقر بذلك آمنًا لا يخاف شيئًا) معنى ذلك أنه على افتراض صحة ضرب سحنون لابن أبي الجواد فإنه لو أقر بعد التهديد والسجن والضرب لكان إقراره باطلًا حتى لو أخرج المال الذي اتهمه فيه القاضي سحنون.

بناء على الأسباب التي ذكرناها سابقًا لا نرى صحة رواية ضرب القاضي سحنون وتعذيبه للقاضي ابن أبي الجواد.

(1) الونشريسي: المعيار المعرب ـ ج10 ـ ص123.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت