ولا أضربك ولا أحبسك ولا أعرض لك، فإن شئت فأقر، وإن شئت فلا تقر، وهو في يد القاضي على حاله، لم يجز هذا الإقرار لأن كينونته في يده حبس منه له، وإنما كان هدده بالحبس فما دام حابسًا له كان أثر ذلك الإكراه باقيًا" [1] "
(4) : القاضي سحنون أمر بضرب القاضي ابن أبي الجواد بتهمة خيانة الأمانة:
ذكر بعض علماء المالكية مسألة ضرب المتهم حتى لو كان قاضيًا واستشهدوا على ذلك بقضية القاضي سحنون وهو من كبار علماء المالكية مع القاضي ابن أبي الجواد حيث ذكر صاحب المعيار المعرب:"يسجن القاضي ويضرب إذا عرف بالشر والسرقة: وعن أصبغ فيمن كان معروفًا بالشر والسرقة يسجن أبدًا وهو الصواب. وكان سحنون يضرب ابن أبي الجواد القاضي ويعيده في السجن، وكان عنده أموال اليتامى" [2]
وأصل القصة كما ذكرها الونشريسي عن ابن أبي الجواد:"أنه كان قاضيًا بالقيروان ثم عزل ورجع سحنون في موضعه ونظر في ديوان الودائع فوجد فيه مالًا لورثة رجل يقال له ابن (القلفاط) فأحضر وكشف عن ذلك فأنكر وجحد الخط، فشهد عليه في وجهه سليمان بن عمران وابن قادم الفقيهان بأنه خطه وكانا يكتبان له، فتمادى على الإنكار فتلوم له سحنون وأعذر إليه، وأرسل من يشير عليه بإنصاف القوم فلجّ في الإنكار وتمادى عليه، فحبسه أيامًا فلم يرجع إلى الحق، فأخرجه وضربه عشرة وردّ إلى السجن، فأتت زوجته بنت أسد بن الفرات والتزمت الدفع عنه، فقال لها سحنون إن قال زوجك: هذا مال الميت أو بدله قبضته فأطلقته لك فأحضر فامتنع من قول ذلك وكان سحنون يخرجه في كل يوم جمعة وإذا امتنع من الأداء ضربه عشرة أسواط حتى ضربه مرارًا كثيرة ثم مرض ومات في السجن من مرضه ذلك. وقضيته مشهورة كما حكاها ابن الرقيق بزيادات. وعن أبي عمران إنما ضربه سحنون لأنه اتهمه كما يضرب السارق حتى يخرج أعيان تلك السلع، وروي أن سحنون كان يقول بعد موته: مالي ولابن الجواد: كأنه تحرج من موته خوفًا" [3]
تعليقنا على القضية المذكورة:
(1) السرخسي: المبسوط ـ مج12 ج24 ص62، ص63.
(2) الونشريسي (أبو العباس أحمد بن يحيى) : المعيار المعرب والجامع المغرب عن فتاوى أهل إفريقية والأندلس والمغرب ـ خرجه جماعة من الفقهاء بإشراف د. محمد حجي ـ نشر وزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية للملكة المغربية ـ 1301هـ /1981م ـ ج10 ـ ص121.
(3) الونشريسي: المعيار المعرب ـ ج10 ـ ص122.