ولا يقطع السارق عند أبى حنيفة [1] والشافعى [2] وأحمد [3] إذا سرق مالًا مشتركًا مع المجنى عليه لأن السارق يملك المسروق على الشيوع مع المجنى عليه فيكون هذا شبهة تدرأ القطع. [4]
وسرقة المال العام حكمها حكم المال المشترك عند أبى حنيفة [5] والشافعي [6] وأحمد [7] ،لأن للسارق حقًا في هذا المال, وقيام هذا الحق يعتبر شبهة تدرأ عنه الحد. أما مالك فيرى قطع السارق من بيت المال أو من مال المغنم. [8]
لو تملك السارق العين المسروقة قبل القضاء فإن القطع يسقط عنه عند الجمهور وخالفهم المالكية [9] ، ولو ملكها بعد القضاء وقبل تنفيذ الحكم يقام الحد عليه الا عند الحنفية، واستدلوا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - لصفوان عندما أراد أن يسامح الرجل الذي سرق رداءه:"فهلا قبل أن تأتيني به". [10]
ذهب جمهور أهل العلم من الحنفية [11] والشافعية [12] والحنابلة [13] إلى أن الوالد إذا سرق من ولده أو الولد سرق من والده يسقط الحد بهذه الشبهة.
والدليل على ذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال في حق الأب:
«إِنَّ أَحَقَّ مَا يَأْكُلُ الرَّجُلُ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ أَطْيَبِ كَسْبِهِ» [14]
ولأن الابن يتبسط في مال أبيه عادة، ولأن له فيه من حق المنفعة، وفي هذا شبهة تدرأ الحد. [15]
وذهب مالك [16] إلى التفريق بين سرقة الأب من ابنه وسرقة الابن من أبيه فأسقط الحد في الأولى ولم يسقطه في الثانية.
ولم يدرأ ابن حزم [17] الحد بأي من الأمرين لعموم آية السرقة، وأجاب عن الحديث بأنه منسوخ بآيات المواريث وغيرها.
ذهب جمهور العلماء من الحنفية [18] والمالكية [19] والشافعية [20] والحنابلة [21] إلى عدم إقامة الحد إذا سرق أحد الزوجين من مال الآخر وكانت السرقة من حرز اشتركا في سكناه، أما إن كانت من حرز لم يشتركا في سكناه، فقد اختلف الفقهاء في حكمه، فمنع من إقامة الحد الحنفية [22] وهو قول عند الشافعية [23] ورواية عند الحنابلة [24] ، لما بين الزوجين من الانبساط في الأموال عادة.
وذهب الشافعية [25] في القول الآخر إلى التفريق بين أن يسرق الزوج من زوجته وبين أن تسرق هي منه، فأوجبوا الحد في الأولى ومنعه في الثانية لأنها تستحق النفقة عليه.
وذهب المالكية [26] إلى وجوب الحد في الحالتين وهو الرواية الثانية عند الحنابلة. [27]
6 -شبهة اضطرار السارق أو حاجته:
فالاضطرار شبهة تدرأ الحد، والضرورة تبيح للآدمي أن يتناول من مال الغير بقدر حاجته ليدفع الهلاك عن نفسه، ولذلك فقد أجمع الفقهاء على أنه لا قطع بالسرقة
(1) الكاساني: بدائع الصنائع،7/ 76
(2) قليوبي: أحمد سلامة القليوبي وأحمد البرلسي عميرة، حاشيتا قليوبي وعميرة، دار الفكر - بيروت، 1415 هـ-1995 م،4/ 188
(3) البهوتى: منصور بن يونس بن صلاح الدين ابن حسن بن إدريس البهوتى الحنبلى (المتوفى: 1051 هـ) ،كشاف القناع عن متن الإقناع، دار الكتب العلمية،6/ 142
(4) عبد القادر عودة: التشريع الجنائي،2/ 592
(5) الكاساني: بدائع الصنائع،7/ 76
(6) قليوبي: حاشيتا قليوبي وعميرة، 4/ 188
(7) البهوتى: كشاف القناع،6/ 142
(8) عبد القادر عودة: التشريع الجنائي،2/ 593
(9) السرخسي: المبسوط،9/ 187، الكاساني: بدائع الصنائع، 7/ 8،الزرقاني: محمد بن عبد الباقي بن يوسف الزرقاني، شرح الزرقاني على موطأ الإمام مالك، الناشر دار الكتب العلمية بيروت، 8/ 89،الشيرازي: المهذب، 2/ 264، ابن قدامة: المغني، 10/ 277
(10) الإمام مالك: مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ الأَصْبَحِيِّ، الْمُوَطَّأ، دار الغرب الإسلامي - بيروت،2/ 397
(11) ابن الهمام: فتح القدير،5/ 144
(12) الرملي: نهاية المحتاج، 7/ 435
(13) ابن قدامة: المغني، 10/ 284
(14) الدارمي: أبو محمد عبد الله بن عبد الرحمن بن الفضل بن بَهرام بن عبد الصمد الدارمي، التميمي السمرقندي (المتوفى: 255 هـ) ، مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي) ،تحقيق: حسين سليم أسد الداراني، دار المغني للنشر والتوزيع، المملكة العربية السعودية، الطبعة الأولى، 1412 هـ - 2000 م، (3/ 1651) ،وقال عنه المحقق: إسناده ضعيف ولكن الحديث صحيح لوروده بروايات صحيحة أخرى.
(15) ابن قدامة: المغني،9/ 275
(16) ابن جزي: القوانين الفقهية،377
(17) ابن حزم: المحلى، 11/ 345
(18) الكاساني: بدائع الصنائع، 5/ 7
(19) الإمام مالك: المدونة، 16/ 76
(20) الشربيني: مغني المحتاج، 4/ 162
(21) ابن قدامة: المغني، 10/ 287
(22) الكاساني: بدائع الصنائع، 5/ 7
(23) الشربيني: مغني المحتاج، 4/ 162
(24) ابن قدامة: المغني، 10/ 287
(25) الشربيني: مغني المحتاج، 4/ 162
(26) الإمام مالك: المدونة، 16/ 76
(27) ابن قدامة: المغني، 10/ 287