انْتَهَى إِلَيْهِ حَدٌّ أَنْ يُقِيمَهُ، إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ عَفُوٌّ يُحِبُّ الْعَفْوَ: {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللهُ لَكُمْ وَاللهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [النور: 22] " [1] "
وهو أن يقول لفظا يحتمل القذف وغيره، كأن يقول القاذف"يا فاجر أو يا قحبة"أو يقول لامرأة"لا تردّين يد لامس"، فقد اختلف العلماء في حد من قال ذلك حد القذف قال الحنفية [2] والحنابلة [3] بأنه لا يقام عليه الحد، ومما استدلوا به أنه لم ينسبه إلى صريح الزنا، ولكنه يعزر.
وقال المالكية [4] والشافعية [5] بأن قائله يحد إلا أنه إذا أنكر القذف صدِّق بيمينه.
أما التعريض بالقذف كأن يقول لصاحبه في معرض الخصومة:"ما أنا بزان، وأمي ليست بزانية"، فقد ذهب جمهور العلماء من الحنفية [6] والشافعية [7] والحنابلة [8] إلى أنه لا يقام عليه الحد، ومما استندوا إليه أن التعريض يتضمن الاحتمال، والاحتمال شبهة تسقط الحد.
واستدلوا بالحديث المروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه: أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله ولد لي غلام أسود فقال: (هل لك من إبل) . قال: نعم، قال: (ما ألوانها) . قال: حمر قال: (هل فيها من أورق) . قال: نعم قال: (فأنى ذلك) . قال: لعله نزعه عرق، قال: (فلعل ابنك هذا نزعة) [9]
فهذا الرجل عرض بالقذف ولم يقم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليه الحد، قال ابن القيم:
(إن قول الأعرابي(إن امرأتي ولدت غلامًا أسود) فليس فيه ما يدل على القذف لا صريحًا ولا كناية وإنما أخبره بالواقع مستفتيًا عن حكم هذا الولد. أيستلحقه مع مخالفة لونه للونه أم ينفيه؟ فأفتاه النبي صلى الله عليه وسلم وقرب له الحكم بالشبه الذي ذكره ليكون أذعن لقبوله وانشراح صدره له. ولا يقبله على إغماض فأين في هذا ما يبطل حد القذف ... ) [10] .
لو أقدم مسلم على الشرب عالمًا أنه يشرب خمرًا أو مسكرًا، وهو لا يعلم أن كثيرها مسكر فلا حد عليه ولو سكر فعلًا، كذلك لا حد إذا شرب مادة مسكرة وهو يظنها مادة أخرى لا تسكر [11] .
وكذلك لا يقام الحد على من كان يجهل تحريم الشرب، ولو كان يعلم أن المشروب مسكر، ولكن لا يقبل الجهل ممن نشأ في بلاد المسلمين لأن نشأته بينهم تجعل العلم بالتحريم مفروضًا
(1) الإمام أحمد: مسند الإمام أحمد بن حنبل، 7/ 232، قال شعيب الأرنؤوط:"حسن بشواهده، وهذا إسناد ضعيف، وأخرجه الحاكم 4/ 382 من طريق محمد بن جعفر، بهذا الإسناد"،وانظر: هامش (7/ 232) من مسند الإمام أحمد.
(2) السرخسي: المبسوط، 9/ 119
(3) البهوتى: كشاف القناع، 6/ 110
(4) الدسوقي:4/ 328
(5) الشربيني: شمس الدين، محمد بن أحمد الخطيب الشربيني الشافعي (المتوفى: 977 هـ) ،مغني المحتاج إلى معرفة معاني ألفاظ المنهاج، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1415 هـ - 1994 م،، 3/ 368
(6) ابن الهمام: فتح القدير،5/ 100
(7) النووي: روضة الطالبين،8/ 312
(8) ابن قدامة: المغني،8/ 222
(9) البخاري: صحيح البخاري، 5/ 2032
(10) ابن غيهب: بكر بن عبد الله أبو زيد بن محمد بن عبد الله بن بكر بن عثمان بن يحيى (المتوفى: 1429 هـ) ، الحدود والتعزيرات عند ابن القيم، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الثانية 1415 هـ، (ص: 218)
(11) الكاساني: بدائع الصنائع،9/ 164، البهوتي: كشف القناع،6/ 118،وانظر: عبد القادر عودة: التشريع الجنائي،2/ 505