وذهب جمهور الفقهاء إلى أن بقية الحدود -غير الردة والحرابة-،بعد رفعها إلى الحاكم لا تسقط بالتوبة، أما إذا تاب قبل أن ترفع إلى الإمام:
1 -فذهب الحنفية [1] والشافعية [2] في مقابل الأظهر، والحنابلة [3] في رواية إلى أن الحد يسقط بالتوبة.
2 -وذهب المالكية [4] والشافعية في الأظهر [5] ، والحنابلة في رواية أخرى [6] إلى أنه لا يسقط بالتوبة، لئلا يتخذ ذلك ذريعة إلى إسقاط الحدود والزواجر.
ومن أدلة إسقاط الحدود بالتوبة ما رواه أنس بن مالك - رضي الله عنه - قال: كنت عند النبي - صلى الله عليه وسلم - فجاءه رجل فقال: يا رسول الله إني أصبت حدًا فأقمه علي، قال: ولم يسأله عنه قال: وحضرت الصلاة فصلى مع النبي - صلى الله عليه وسلم - فلما قضى النبي - صلى الله عليه وسلم - الصلاة قام إليه رجل فقال يا رسول الله إني أصبت حدا فأقم فيّ كتاب الله قال: (أليس قد صليت معنا) . قال: نعم قال: (فإن الله قد غفر لك ذنبك أو قال حدك) [7]
قال ابن حجر:"وقد يتمسك به من قال إنه إذا جاء تائبا سقط عنه الحد" [8]
الأصل ألا يقام الحد على من لم يعلم بالتحريم، وبهذا قال عامة أهل العلم [9] .
فإذا ادعى الزاني مثلًا أنه لا يعلم بتحريم الزنا، وكان يحتمل أن يجهله كحديث العهد بالإسلام قبل منه؛ لأنه يحتمل أن يكون صادقًا، أما إن كان ممن لا يخفى عليه تحريم الزنا فلا يقبل منه ذلك. [10]
(1) الكاساني: بدائع الصنائع،7/ 61
(2) النووي: روضة الطالبين، 10/ 96
(3) ابن قدامة: المغني،8/ 345
(4) ابن أبي القاسم: محمد بن يوسف بن أبي القاسم العبدري أبو عبد الله، التاج والإكليل لمختصر خليل، دار الفكر/ بن أبي القاسم، سنة النشر 1398،6/ 294
(5) النووي: روضة الطالبين،10/ 96
(6) ابن قدامة: المغني،8/ 296.
(7) البخاري: صحيح البخاري 6/ 2501
(8) ابن حجر: أحمد بن علي بن حجر أبو الفضل العسقلاني الشافعي، فتح الباري شرح صحيح البخاري، دار المعرفة - بيروت، 1379،12/ 134
(9) في حد الزنا قولان للمالكية، وانظر: القوانين الفقهية ص 232، ذهب جمهور الفقهاء إلى أن يد السارق تقطع ولو كان جاهلا بالتحريم، وذهب الشافعية إلى أن يد السارق الجاهل لا تقطع، وانظر: الكاساني: بدائع الصنائع 7/ 67، والقوانين الفقهية، ص 235، والأشباه والنظائر للسيوطي ص 200، واتفق الفقهاء على أن من شرب الخمر وهو يجهل أنها خمر لا يحد، أما إذا شرب الخمر وهو يعلم أنها خمر لكنه ادعى الجهل بالتحريم ففيه خلاف بين الفقهاء، وانظر: الفتاوى الهندية 2/ 159، والقوانين الفقهية ص 237، والأشباه للسيوطي ص 200، وكشاف القناع 6/ 118.
(10) أبو مالك: صحيح فقه السنة، 4/ 15