ذهب جمهور العلماء المالكية [1] والشافعية [2] ورواية عن أحمد [3] إلى أن الشهود إذا شهدوا على زنا قديم يقام الحد على الزاني، ولا يؤثر القدم في درء الحد، وذهب أبو حنيفة [4] إلى اشتراط عدم التقادم في البينة وهو رواية عن أحمد [5] ، لأن الشهود لما لم يشهدوا فور المعاينة دل ذلك على اختيارهم جهة الستر على المسلمين، فإن شهدوا بعد ذلك دل ذلك على أن الضغينة حملتهم على هذه الشهادة.
فإذا ثبت حد القذف بشهادة الشهود، ثم رجعوا عن شهادتهم قبل إقامة الحد سقط الحد باتفاق الفقهاء، وكذلك إذا رجع بعضهم ولم يبق منهم ما يثبت الحد بشهادته منهم، لأن رجوعهم شبهة، والحدود تدرأ بالشبهات. [6]
اختلف الفقهاء في عفو المقذوف عن القاذف، فذهب الشافعية [7] والحنابلة [8] ، وهو رواية عن أبي يوسف [9] إلى أن للمقذوف أن يعفو عن القاذف، سواء قبل الرفع إلى الإمام أو بعد الرفع إليه؛ لأنه حق لا يستوفى إلا بعد مطالبة المقذوف باستيفائه، فيسقط بعفوه كالقصاص، وفارق سائر الحدود، فإنه لا يعتبر في إقامتها طلب استيفائها.
وذهب الحنفية [10] إلى: أنه لا يجوز العفو عن الحد في القذف، سواء رفع إلى الإمام أم لم يرفع.
وذهب المالكية [11] إلى: أنه لا يجوز العفو بعد أن يرفع إلى الإمام، إلا الابن في أبيه، أو الذي يريد سترا، على أنه لا يقبل العفو من أصحاب الفضل المعروفين بالعفاف؛ لأنهم ليسوا ممن يدارون بعفوهم سترا عن أنفسهم.
والسبب في اختلافهم كما قال ابن رشد: هل هو حق لله أو حق للآدميين أو حق لكليهما؟ فمن قال حق لله: لم يجز العفو كالزنا، ومن قال حق للآدميين: أجاز العفو، ومن قال حق لكليهما وغلب حق الإمام إذا وصل إليه، قال بالفرق بين أن يصل الإمام أو لا يصل، وقياسا على الأثر الوارد في السرقة في حديث صفوان بن أمية في قصة الذي سرق رداءه ثم أراد ألا يقطع، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم: قَالَ:"فَهَلَّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ" [12] ،وحديث ابن مسعود - رضي الله عنه - في قصة الذي سرق: فأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بقطعه، وَكَأَنَّمَا أُسِفَّ وَجْهُ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -، قَالَ: قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، كَأَنَّكَ كَرِهْتَ قَطْعَهُ؟ قَالَ:"وَمَا يَمْنَعُنِي، لَا تَكُونُوا عَوْنًا لِلشَّيْطَانِ عَلَى أَخِيكُمْ، إِنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ إِذَا"
(1) الشرح الصغير، 4/ 249
(2) النووي: روضة الطالبين،1/ 98
(3) ابن قدامة: المغني، 8/ 207
(4) الكاساني: بدائع الصنائع،7/ 46
(5) ابن قدامة: المغني، 8/ 207
(6) ابن الهمام: فتح القدير 6/ 536، الكاساني: بدائع الصنائع، 6/ 283، النفراوي: أحمد بن غانم (أو غنيم) بن سالم بن مهنا، شهاب الدين النفراوي الأزهري المالكي (المتوفى: 1126 هـ) ،الفواكه الدواني على رسالة ابن أبي زيد القيرواني، تحقيق: رضا فرحات، مكتبة الثقافة الدينية،2/ 309 - 310، الشربيني: مغني المحتاج 4/ 456 - 457، ابن قدامة: المغني 9/ 245 - 247
(7) النووي: روضة الطالبين،10/ 106
(8) ابن قدامة: المغني،8/ 217
(9) ابن عابدين، رد المحتار،3/ 182
(10) ابن عابدين: رد المحتار، 3/ 182
(11) الإمام مالك: المدونة، 4/ 387
(12) الإمام أحمد: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل بن هلال بن أسد الشيباني (المتوفى: 241 هـ) ، مسند الإمام أحمد بن حنبل، تحقيق: شعيب الأرنؤوط - عادل مرشد، وآخرون، مؤسسة الرسالة، الطبعة الأولى، 1421 هـ - 2001 م،24/ 24، وقال المحقق: حديث صحيح بطرقه وشاهده.