وفي حديث آخر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (( أَنْ تُطْعِمَهَا إِذَا طَعِمْتَ وَتَكْسُوَهَا إِذَا اكْتَسَيْتَ أَوْ اكْتَسَبْتَ وَلَا تَضْرِبْ الْوَجْهَ وَلَا تُقَبِّحْ وَلَا تَهْجُرْ إِلَّا فِي الْبَيْتِ ) ) (68) .
أي لا تقل قبح الله وجهك، ولا تضرب ضربًا مطلقًا من غير تركيز أو انتباه، وأن يعلم الزوج أنه حتى الضرب غير المبرح لا يكون إلا بإذن شرعي كالنشوز مثلا، حتى أن بعض العلماء من الشافعية أخذوا من الحديث النهي المطلق عن الضرب فقالوا ترك الضرب أولى (69) .
فهذه الأحاديث وغيرها كثيرة كلها تدل على جواز الضرب غير المبرح وإباحته، وذلك لتأديب الزوجة عندما تنتهي مرحلتا الوعظ والهجر، إلا أنه لا يفهم من بعض الأحاديث أن الترك أولى، لأنه لا شيء على المسلم إذا ترك المباح، ويترك الضرب إذا صبر الرجل على زوجته، فيستمر بالوعظ والإرشاد، والهجر، حتى يستقيم أمرها له.
وأخيرا يجب التنبيه إلى انه متى ما تحققت الغاية من التأديب، وفي أي مرحلة من مراحلها فعلى الزوج إنهاء هذا الحق وهو التأديب، وألا يبغي على الزوجة بتجاوزه لحد التأديب، لأن الغاية الأساسية هي عودة الزوجة إلى طاعة زوجها، وترك نشوزها له، فإذا تحققت الغاية، لم يبق سبب للاستمرار في استعمال هذا الحق.
أما إذا استنفذ الزوج جميع مراحل التأديب ولم تتحقق الغاية المطلوبة، أو أن الزوج لم يستعمل أصلًا هذه المراحل لأنه يرى أنها تزيد الشقة وتعقد الموقف أكثر فأكثر، فإن الإسلام في هذه الحالة لم يقف مكتوف الأيدي، وإنما وضع حلًا أخيرًا لإنقاذ المؤسسة الأسرية من الضياع والانهيار، هذا الحل يتمثل في التدخل العائلي، الذي طالما تجنبه الإسلام لأنه في أغلب الأحيان هذا التدخل يزيد الأمر تعقيدًا، لذلك في كل مرحلة من مراحل التأديب السابقة جعل الإسلام من شروط المرحلة أن يكون بعيدًا عن أعين الناس، وعن أعين الأهل والأقارب، وحتى الأطفال، وفي ذلك يقول الله تبارك وتعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلاَحًا يُوَفِّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا