بكثير، كما أن إصابتهم للحق أكثر من إصابة غيرهم ممن جاء من بعدهم.
وينبغي - أيضًا - أن يستحضر القارئ حين قراءته لهذا المبحث أن المراد بحجية قول الصحابي: هو ما أثر عن الصحابة أو أحدهم من قول أو فعل أو فتيا ولم يعلم له مخالف في ذلك بل لم ينقل إلينا إلا قوله أو فعله أو فتياه.
ومما ينبغي استحضاره - أيضًا - أن الحجة في قول الصحابي ليست في قوله لذاته؛ بل لأن الشارع ضمن حفظ الحق أبدًا إلى أن تقوم الساعة، وأنه لا يخلي عصرًا من العصور منه، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [1] . فلو قال الصحابي قولًا ولم يكن صوابًا بل الصواب في غيره ولم ينكره عليه أو يخالفه فيه أحد ممن عاصره حتى انقضى ذلك العصر، ثم جاء من بعده فقال بخلاف قوله لكان ذلك العصر قد خلا من ناطق بالحق، بل كانوا مطبقين على الباطل، فهذا هو الذي ينكر. وإذا كان كذلك فإنه لا يجوز لمن جاء بعدهم مخالفتهم أو مخالفة أحدهم إذا لم ينقل عن أحد ممن عاصره خلافه، كما لو اختلفوا - أعني الصحابة - على قولين لم يجز لمن جاء بعدهم إحداث قول ثالث خارجٍ عن القولين.
وكما قلت: الأحاديث الواردة في ذلك كثيرة جدًا منها ما يأتي:
[1] ما ثبت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصحيح من وجوه متعددة أنه قال: (خير القرون قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم يجئ) [2] .
(1) سورة الحجر الآية 9.
(2) انظر: صحيح البخاري (4/ 189) باب فضائل أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم -.