القول الأول:
ذهب جمهور الفقهاء من المالكية و الشافعية والحنابلة، وأبي يوسف ومحمد من الحنفية - إلى أن الصبي إذا بلغ سفيها غير رشيد، ثبتت أهليته ولكن لا ترتفع الولاية المالية عنه حتى يؤنس منه الرشد مهما بلغ من العمر قال سعيد بن جبير والشعبي:"أن الرجل ليأخذ بلحيته وأبلغ أشده فلا ندفع إلى اليتيم ماله وان اخذ بلحيته، وان كان شيخا حتى يؤنس منه رشده" [1] .
قال ابن المنذر: أكثر علماء الأمصار من أهل الحجاز و العراق و مصر يرون الحجر على كل مضيع لماله صغيرًا كان أو كبيرًا [2] واستدلوا بما يلي:
1 -قوله تعالى:"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ"النساء 6، فالآية تدل على منع الأولياء والأوصياء من دفع المال إلى السفهاء الذين لم يبلغوا راشدين، وأناطت دفع المال إليهم بالبلوغ و الرشد، وهذا يقتضي استمرار الحجر على البالغ إذا لم يثبت رشده مهما بلغ من العمر لأن علة نقص الأهلية هي نقص العقل وعدم القدرة على إدارة شؤونه المالية فما بقيت هاتان الحقيقتان أو إحداهما فالحجر مستمر لبقاء علته ودواعيه.
2 -قال الشافعي: فإذا أمر الله عز و جل بدفع أموال اليتامى إليهم بأمرين لم يدفع إليهم إلا بهما وهو البلوغ و الرشد واستدلوا: بقوله تعالى:"وَلاَ تُؤْتُوا السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَامًا وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا"النساء 5،أي أموالهم. فقد أفادت الآية أن السفيه لا يدفع إليه ماله، وليس له من التصرف في ماله إلا أن يرزق و يكسى، أما وسائل التنمية و الحفظ فليست له وإنما لمن له الولاية عليه أو الوصاية.
3 -للسفيه مصلحة مالية في منعه من التصرف في ماله، لأنه لو ترك وشانه ضاع ماله، وكان كلا على الناس فإن السبب في الحجر على الصغير هو الخشية من ضياع ماله، وهذا السبب متحقق في السفيه بشكل أوضح لان تبذيره متحقق لا شك فيه، فإذا تحقق السبب تحقق أثره وهو الحجر بالفعل.
ويرى أصحاب هذا الرأي أن الغلام إذا بلغ وأونس منه الرشد و دفع إليه ماله، ثم ظهر منه فساد و تبذير بعد الرشد، يجب إعادة الحجر عليه بحكم قضائي لرجوع العلة التي من اجلها كان محجورا عليه وهي السفه والتبذير والفساد [3] .
(1) الجامع لأحكام القران: القرطبي 5/ 34،جامع البيان عن تأويل القران أبو جعفر بن جرير طبري 3/ 336، الحاوي، الماوردي 6/ 348، كشف القناع: البهوتي: 3/ 148، تكملة فتح القدير قاضي زاده 9/ 269، الملكية ونظرية العقد أبو زهرة،279.
(2) الإشراف على مذاهب أهل العلم: 6/ 237.
(3) الإشراف على مذاهب أهل العلم: ابن المنذر 6/ 239،الملكية و نظرية العقد أبو زهرة: 280.