حدد الفقهاء سنًا معينًا للبلوغ ولم يحددوا للرشد سنًا معينة لاختلاف زمن الرشد باختلاف فطرة الشخص واختلاف البيئات والأوضاع الاجتماعية والاقتصادية وبحسب العلم والتربية.
فإذا كانت الحياة الاجتماعية يسيرة لم تتسع الحاجات فيها ولم تتشعب أبواب الرزق ولم تتعد مناهجها، يسهل على الشخص تدبير أمواله وإدارتها، فإن الشخص قد ينال رشده في الخامسة عشر أو بعدها بقليل، أما إذا كانت الحياة متسعة الأفق، متشعبة المسالك تخضع لنظم اجتماعية واقتصادية متشابكة، لا يدركها ولا يحسن تدبيرها إلا بعد نضج و دراسة فلابد من أن تتأخر سن الرشد، وتتباعد عن سن البلوغ.
والذي تدل عليه نصوص الشريعة وأدلتها أن الرشد لا يكون إلا بعد البلوغ، فهو النقطة التي يرتكز عليها انتقال الإنسان من طور القصور إلى طور الرشد. وهذا الرشد قد يصاحب البلوغ وقد يتخلف عنه، وتتبع دلائل الرشد من حصول البلوغ، يدل على ذلك ربط النص القرآني كمال أهلية الشخص بإيناس الرشد بعد البلوغ في قوله تعالى:"وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ"النساء 6.
فكمال الأهلية لا يتم إلا بأمرين: البلوغ والرشد
ولما كان الرشد قد يتأخر بتعقد مناهج الحياة، فلابد من اختبار القاصر ليعرف حاله من الرشد أو عدمه ويختلف الاختبار باختلاف طبقات الناس وأحوالهم فولد التاجر يختبر في البيع و الشراء وولد الزراع في أمر الزراعة، و ولد المحترف فيما يتعلق بحرفته، وولد من لا يكون عمله إلا في الأسواق تدفع إليه نفقته مدة من الزمن لينفقها في مصالحة فإن صرفها في مصارفها ومرافقها على الوجه الصحيح دل ذلك على رشده ويكرر الاختبار مرتين فأكثر بحيث يفيد غلبة الظن برشده قال القرطبي: واختلف العلماء في معنى الاختبار فقيل: هو أن يتأمل الوصي أخلاق يتيمه ويستمع إلى أغراضه، فيحصل له العلم بنجابته، والمعرفة بالسعي في مصالحه وضبط ماله والإهمال لذلك، فإذا توسم الخير قال علماؤنا وغيرهم لا بأس أن يدفع إليه شيئان من ماله يبيح له التصرف فيه، فإن نماه وحسن النظر فيه فقد وقع الاختبار ووجب تسليم جميع ماله إليه، وإن أساء النظر فيه وجب عليه إمساك ماله عنده [1] .
وإذا كان الفقهاء لم يعينوا للرشد سنا خاصة فإن لهم آراء واجتهادات في مدى انتظار الرشد يمكن إجمالها في قولين:
(1) الجامع لأحكام القران: القرطبي 5/ 31 وما بعدها، روضة الطالبين: النووي 3/ 413، المدخل الفقهي العام الزرقا 2/ 823: الملكية و نظرية العقل أبو زهره 271،المغني: ابن قدامه 6/ 608.